بيير بونار (1867- 1947):

ولد بيير بونار في منطقة «فونتني أوروز»، إحدى ضواحي مدينة باريس، في كنف أسرة ميسورة، ومنذ صغره كان يرسم الغرف التي يسكن فيها وجدران الحدائق. وغالبا ما كان يرسم من ذاكرته بمساعدة الاسكتشات والألوان المائية. 

وقد أتاح له الجو الأسري المستقر متابعة تحصيله العلمي والثقافي ودراسة اللغتين اللاتينية واليونانية ومادة الفلسفة.

ودرس الأدب الكلاسيكي، ثمّ القانون بناءً على نصيحة والده، وفي ما بعد عمل في وظيفة حكومية مؤقّتة، لكن ميله إلى الرسم دفعه إلى دراسة الفن في «معهد جوليان» حيث انفتح على نتاج الفنانين المجددين ومنهم الانطباعيان أوجست رينوار، وكلود مونيه، الذي ربطته ببونار صداقة شخصية، وكان من زملائه الذين عاصروه موريس دونيه وفيليكس فالوتون وإدوار فويار وغيرهم.

بونار فنان فرنسي، وواحداً من أعلام الفن التشكيلي الذين عاصروا أهم الفترات التي شهدت نقلات فنية نوعية على كافة الصعد، وقد كان أحد الفاعلين والمؤثرين في حركة التغيرات هذه، بما قدمه من إبداع فني خاص مميز، فهو من أشهر الفنانين الذين بحثوا عميقاً في اللون وماهيته، ليجعل لوحاته ذات الموضوعات البسيطة تنبض بالحركة والحياة، إضافة إلى أنه لم يكن ليصور موضوعاته بطريقة مألوفة، وإنما يضفي عليها أحاسيسه ومشاعره اللحظية لتمنحها انطلاقة في آفاق أوسع وأرحب.

الانطباعية شكلت حركة تجديد فعلية في الفن الغربي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وساهم فيها مجموعة من كبار المبدعين الذين تحرروا من القواعد الفنية الأكاديمية والكلاسيكية المتوارثة منذ عصر النهضة، وقد تابع بونار ذلك التحوّل والتغيير الذي كرّسه الفنانون الانطباعيون، فهو مثلهم أراد التجديد، لكنه أراد أيضاً الانفتاح على آفاق أخرى، فتعرف إلى الفن الياباني الذي أقيم له معرض كبير في باريس عام 1890 وأعجب بمبادئه الجمالية.

كما أنه بحث عن وضع بصمته الخاصة خارج حدود النزعة المدرسية، وفي هذا الصدد يقول: «أنا لا أنتمي إلى أية مدرسة، كل ما أصبو إليه هو إبداع أشياء شخصية».

أعمال بونار مفعمة بالجدة والأصالة، يلفت الناظر إليها قدرة الفنان على التلاعب بالألوان والمنظور، فقد كان بونار مغامراً في طرحه، وفي تناوله للأشياء التي تبدو عادية ومطروقة فيقدمها بأسلوب حسي بكثير من الحميمية والسحر، وفي بداية تجربته نجده اشتغل على ثيمة «الشارع» أو بمعنى آخر (انطلق نحو الفضاء العام ليصور الناس في حياتهم اليومية)، وهي الفترة التي شارك فيها بتأسيس مجموعة «نابي» الفنية، وهي إحدى الجماعات الفنية الفرنسية التي ذاع صيتها في أواخر القرن التاسع عشر، وقد كون هذه الجماعة مجموعة من الفنانين الفرنسيين المتأثرين بفن بول جوجان واستخدامه المعبر للون والأشكال الإيقاعية، أنشأ الفنان بول سيروزيه هذه الجماعة في حوالي سنة 1891م بعد أن راودته الفكرة عندما زار جوجان في صيف عام 1888م، فرسم هناك لوحته «التعويذة» مستخدما أسلوب جوجان المعروف باسم «التأليفية»، وعندما عاد سيروزيه إلى باريس نشر فكرته بين مجموعة من زملائه، فعرض اللوحة على موريس دينيس، وبيير بونار، وإدوارد فويار، الذين بدأوا باحتذاء مثال جوجان في التصوير مستخدمين الألوان والأشكال بطريقة تخيلية.

كان فنانو هذه الجماعة يلتقون مع جوجان أثناء إقامته في ضاحية «بونت- أفين» الباريسية لذلك يطلق البعض عليهم اسم مدرسة «بونت- أفين»، وقد شارك أعضاء «نابي» مذهب الرمزية في كثير من أفكاره الأساسية، وتميزت أعمالهم بالأسلوب المبتكر في اللون والموضوع وكانوا يهدفون إلى إعادة الرسم إلى وظيفته التزيينية.

ومن الملاحظ أن نشاط المجموعة قد شمل العروض المسرحية، وتصميم الملصقات، والزجاج المعشق، والرسوم التوضيحية للكتب، ويعتبر بيير بونار من أهم رواد هذه المدرسة، فقد وجه اهتماماً كبيراً إلى مساحات الألوان المسطحة، ومن لوحاته في هذه الفترة «من وراء السياج» والتي أنجزها عام 1895م.

إضافة إلى عمله في تصمم الأثاث، وتطوير الأشكال والأنماط النسيجية، وصنع وتجهيز العديد من المسارح، وصنع الدمى لمسرح العرائس، وبذلك كأن أحد الأفراد الفاعلين داخل المجموعة التي جمع بين أفرادها الصداقة وكذلك حب النقاش في المسائل الفلسفية والجمالية إلى جانب انتمائهم إلى تيار فني سعى إلى تصحيح مسار النزعة الانطباعية آخذاً المفهوم اللوني منها في اتجاه نحو التلخيص والبساطة حتى التحوير والرمزية.

كان لأسلوب الفن الياباني تأثير كبير على بونار، طبع الكثير من أعماله في نهاية القرن التاسع عشر، حيث فُتن بجانبه التزييني وألوانه الزاهية، وطريقة ضبط الأشكال والمستويات، وخاصة طريقة التأطير الفريدة، فأنتج سلسلة من السواتر الحاجبة قبل أن يفصل ألواحها لتصبح بدورها لوحات على منوال الفن الياباني.

ومن أشهر أعماله بهذا الأسلوب «نزهة المربيات» 1897، يتميز هذا العمل المؤلف من أربعة أعمدة باقتصاده في الخط والإيقاع، وقد وضع بونار شخصياته بشكل غير متماثل ووازنها على المساحة الفارغة، ويظهر فيها الاستخدام الزخرفي للصورة الظلية متأثرا بأسلوب الفن الحديث والطباعة اليابانية.

مع بداية القرن العشرين وطّد بونار هويته الفنية الخاصة التي تجلّت بالأخص في رسمه المشاهد الداخلية للغرف والمنازل وللمناظر الطبيعية التي استوحاها من تنقّلاته في المناطق الفرنسية، ومن أسفاره في الدول الأوروبية والعربية ومنها إسبانيا وإيطاليا وتونس والجزائر.

وخلال السنوات الممتدة بين 1910 و1938 أقام بونار في منطقة النورماندي وهي منطقة معروفة بجمالها الطبيعي، وأنجز هناك مجموعة من أجمل أعماله، وخصوصاً تلك التي تمحورت حول موضوع الحدائق، ومن ذلك لوحات «الحديقة البرية»، و«الحديقة المشمسة»، وقد كرّس بونار لهذا المحور عددا كبيرا من الأعمال، أوّلا في النورماندي، ثم لاحقا على شاطئ الريفيرا، مستغلا العديد من الأفكار لاختبار براعته بشأن الألوان، ومحققا نتائج أبحاثه الطويلة حول الألوان التي تظهر في ذروة تناقضاتها لكنها تنسجم وتتكامل فيما بينها.

كان اللون بالنسبة لبونار غاية، وسيلة لاختبار العالم، فقد رسم العديد من مشاهده معتمداً على الذاكرة وملحوظاته التي كان يدونها، ليلتقط روح اللحظة بدلاً من أن يصور الشخص أو المكان كما هو بالضبط، ويظهر ذلك جلياً في كل أعماله تقريباً، خصوصاً تلك التي رسم فيها الأشخاص حول موائد الطعام أو في غرف المعيشة والنوم، ومن بينها لوحة «ميزيا ناتانسون خلال فطور الصباح»، حيث تظهر تلك النظرة الحزينة والإحساس بالضياع المنبعث من عيْني الشابة التي نراها في اللوحة وقد نجح بونار في تمثيل هذا الحزن من خلال أسلوب رقيق وحسّ عذب.

أيضا في لوحته «غرفة معيشة في القرية» 1913، وهي من أشهر أعماله التي أظهر فيها توجهاته الفنية، حيث كان مفتوناً بمستويات المنظور المختلفة والتلاعب من خلاله بطبيعة الحالة، حيث تظهر فتاة وهي تتكئ على النافذة من الخارج لتنظر إلى داخل الغرفة، وقد صور بونار في هذه اللوحة، غرفة الطعام في المنزل مع القطّة وهي تلعب على الكرسي، كما رسم زوجته مارثا التي تقف عند طرف النافذة. 

في ملمح آخر من انشغالات بونار نجد اللوحات التي ارتسمت عليها وجوه لشخصيات يغلب عليها الغموض، إلى حد أنه يصعب التعرّف إليها، ولم يستثن بونار نفسه من ذلك، ويتجلى وجهه من خلال إحدى اللوحات أطلق عليها اسم «الملاكم» 1931، التي تظهر فيها مسحة من الألم، وغموض، كما لو أنه متردد في الظهور على حقيقته.


المراجع

alkhaleej.ae

التصانيف

فنون   الانطباعية   التاريخ   شخصيات فرنسية   فرنسا