الأدب في عصر التنويرعُرف القرن الثامن عشر بعصر التنوير Siècle des Lumières وشهد تطوراً ملحوظاً في الفكر النقدي الأوربي الذي يدين بالكثير للوثر[ر] Luther وإصلاحه الديني، ولديكارت[ر] Descartes ومنهجه الذي يبرز قيمة العقل، وللأبحاث العلمية التي تطورت في إنكلترة منذ 1685، وكرست التجربة أساساً ومعياراً. كان الإنسان الجديد قد بدأ يشعر بأن اكتشافات كُبرنيك[ر] Copernic وغاليليه[ر] Galilée ونيوتن[ر] Newton تشكل ثورة في النظرة إلى الكون، لأنها استبدلت بالنور الخارق نور العقل الذي سيسمح لاحقاً بولادة عالم مختلف يعزز التسامح ويؤمن بالعلم وبالتطور البشري.ومع أن فلسفة التنوير كانت نتيجة مباشرة لأزمة الوعي التي هزت أوربة منذ عام 1680 حتى 1715 كما وصفها مؤرخ الأدب الفرنسي بول هازار Paul Hazard، لم تتبلور بالفعل إلا في فرنسة بين 1745 و1785، حيث أخذت طابعاً علمانياً معادياً للكهنوت وللتعصب الديني، وصبغة مادية عقلانية تنسف الخزعبلات وتنهي سيطرة الميتافيزيقة، وتعطي الأولوية للتجربة، لتكرّس العلم قيمة أساسية، إضافة إلى ما حملته من رؤية جديدة للسلطة والقانون وحقوق الإنسان. ومع أن تأثيرها في سياسة المؤسسات كان في البداية ضعيفاً، نجحت تماماً في بلورة النظرية السياسية لدى النخبة المثقفة. فهي لم تحدث ثورة، لكنها أنضجت الخطاب الثوري الذي طرح قيماً جديدة، مثل الحرية والمساواة التي ستكون أساس شعارات الثورة الفرنسية لاحقاً.لم تولد هذه الفلسفة من فراغ، فقد استمدت نظرتها النقدية للثوابت من التوجه التشكيكي الذي يتبدى في كتابي الفيلسوف الفرنسي بيل P.Bayle «أفكار حول المذنَّب» (1682) Pensées sur la comète و«القاموس التاريخي والنقدي» Dictionnaire historique et critique (الجزء الأول 1695) إذ بيَّن فيهما بعرضه لصراع الأفكار ضرورة «الشك» في النظم اللاهوتية والميتافيزيقة وأهمية تطبيق الفكر التحليلي الحر والنقدي على الأفكار المسبقة والتقاليد الأخلاقية والخرافات، حتى الشعائر الدينية. كذلك كان الأمر بصدد الفيلسوف الفرنسي فونتنيل B.Fontenelle الذي أسهم بحكم موقعه في أكاديمية العلوم في بثّ العلوم والمعارف الجديدة وتبسيطها ووضعها في متناول القراء المثقفين، إضافة إلى وقوفه بجانب الحداثيين مقابل القدماء لثقته المطلقة في تطور الإنسانية، ومن أهم كتبه «حوار الموتى» (1683) Dialogue des morts و«محادثات حول تعددية العوالم» (1686) Entretiens sur la pluralité des mondes.من العناصر التي أسهمت أيضاً في بلورة فكر التنوير في فرنسة في بداية القرن الثامن عشر تشكل رأي عام قوي وفعّال في إطار المنتديات والصالونات الأدبية. ومن الأمور اللافتة للنظر ظهور منشورات مطبوعة بأسماء مستعارة كان يكتبها مثقفون يشغلون مناصب رسمية، وخاصة في أكاديمية النقوش والآداب الجميلة Académie des Inscriptions et Belles-Lettres التي كانت معقلاً للفكر الحر. كانت الأفكار التي تطورت في الأدب السري تجد مرجعيتها وحججها ومناهجها في الفلسفات القائمة، مثل الديكارتية أو السبينوزية الجديدة وبعض الفلسفات التي دخلت إلى فرنسة من وراء بحر المانش مثل فلسفة لوك[ر] Locke ونيوتن على الأخص. وكان لتطور العلوم دوره الأساسي في تغيير ملامح الفكر في تلك الفترة، فقد عرض فولتير[ر] Voltaire في مؤلفه الصادر عام 1734 بعنوان «الرسائل الفلسفية» أو «الرسائل الإنكليزية» أهم ما جاء في مؤلف نيوتن الصادر عام 1687 «الأسس الرياضية للفلسفة الطبيعية» Philosophae naturalis principia mathematica. وهكذا وجدت فرنسة في عالم نيوتن منحى مختلفاً عما أسس له ديكارت.في هذا المناخ الفكري المتقد كانت المنشورات السرية تذكي النقاش وتحمس الكتّاب للمشاركة، ويبدو أن فولتير وديدرو[ر] Diderot ومونتسكيو[ر] Montesquieu وروسو[ر] Rousseau كانوا يبحثون عنها وينسخونها بأيديهم، ومن ثم فهم يدينون لها بشكل أو بآخر في تكوينهم الفكري وفي بعض أفكارهم الرئيسية. صحيح أن الأدب السري كان يتفوق في مباشرته وجرأته المطلقة على كتابات مونتسكيو وفولتير التي نُشرت في الفترة نفسها، إلا أن مؤلفات هذين الأخيرين هي التي مارست تأثيرها العميق في الرأي العام، وخاصة أنها وجدت لها إطاراً في الموسوعة L.Encyclopédie التي تجلى فيها فكر عصر التنوير، وكانت مشروعاً واسعاً لأول معجم حديث يحاول أن يعرض كل المعارف البشرية. وقاد هذا المشروع دنيس ديدرو الذي كتب في عام 1750 منشوراً تمهيدياً طرح فيه فكرة العمل، وجمع الاشتراكات اللازمة لتحقيقه، وكلّف دلمبير[ر] d’Alembert بأن ينسق الجوانب العلمية في المشروع الذي احتوى منذ البداية جزءاً حول التقنيات الجديدة مرفقاً بالصور التي تمثل الفنون الآلية. وقد شارك في تحرير الموسوعة كبار الكتاب في ذلك العصر وعلى الأخص مونتسكيو وفولتير وروسو.كانت الموسوعة أداة حرب فلسفية وعقلانية، فقد حاولت أن تضع لوحة عامة عن جهود الفكر البشري وتطوره عبر العصور، في كل العلوم والفنون، فكانت بذلك وراء تشكّل العلوم الإنسانية بشكلها الحديث. فقد ولد علم الإنسان (الأنثروبولوجيا)، من الاهتمام الذي أولاه الموسوعيون وعلى الأخص روسو لملاحظة «البدائيين» الذين يمثلون الإنسان في حالته الطبيعية الأولى. وتطورت التربية ضمن الاهتمام الملحوظ بالطفل الذي سيصير رجل المستقبل. كذلك تطور علم التاريخ والسياسة، وبدأ الفلاسفة يتساءلون حول أصل السلطة وأشكال المؤسسات المدنية وماهية التشريعات، فكانوا بذلك يحضرون ببطء لتفتح الأفكار الثورية. وأهم ما أتى في إعلان حقوق الإنسان مأخوذ بشكل مباشر من كتاب «روح القوانين» (1748) L’Esprit des lois لمونتسكيو ومن كتابي جان جاك روسو «العقد الاجتماعي» (1762) Contrat-social و«خطاب حول أصل التفاوت» (1755) Discours sur l’origine de l’inégalité. لكن فلاسفة عصر التنوير، على الرغم من حداثة أفكارهم ظلوا على المستوى السياسي موالين للنظام القديم Ancien Régime، لأنهم اختاروا فكرة الطاغية المستنير (وهذه هي حال فولتير وديدرو)، ولم تكن فكرة النظام الجمهوري تبدو ملائمة إلا لعدد قليل منهم.اختار فلاسفة عصر التنوير أن يعبروا عن أفكارهم بالرسائل والحوارات والقصائد والروايات والمسرحيات، فكان لذلك تأثيره في الأدب الذي تخلص من قيود البلاغة الثقيلة، وصار إطاراً للبرهنة على الأفكار، يثير الجدل ويفتح الباب للنقاش. فقد كتب فولتير «الحكايات الفلسفية» (1752) Contes philosophiques، وطرح ديدرو أفكاره حول جدلية الحتمية والخيار الحر في حواريات مثل «ابن أخ رامو» (1760-1772) Le Neveu de Rameau و«جاك القدريّ» (1796) Jacques le fataliste. كذلك تطورت الرواية التاريخية والرواية التي تأخذ شكل مذكرات مثل «مذكرات دارتانيان» لكورتيل دي ساندراسCourtil de Sandras و«مذكرات كازانوفا» (نشرت لاحقاً في 1828) و«مذكرات كونت دي كومينغ» (1735) لمدام دي تانسان Mme de Tencin، و«اعترافات الكونت دي...» (1741) لدوكلو Duclos. وانتشرت أيضاً قصص الرحلات مثل «رحلة الكابتن روبير لاد» (1744) لبريفو Prévost و«روبنسون كروزو» لدانيال ديفو[ر] Daniel Defoe التي ترجمت إلى الفرنسية عام 1720. ومن الأنواع التي انتشرت بين الجمهور العريض قصص التربية العاطفية التي مهدت لها روايات توبياس سموليت Tobias Smollett وهنري فيلدنغ[ر] Henry Fielding في إنكلترة ورواية «جيل بلا» Gil Blas لآلان لوساج[ر] (1715-1724) A.R.Lesage في فرنسة. ومن أشهر الأعمال المكتوبة في هذا الإطار رواية «العلاقات الخطرة»Les Liaisons dangereuses لبيير دي لاكلو Pierre de Laclos التي تحلل ببراعة نفسية الماجن. كذلك ظهرت القصة القصيرة التي ساعد في نجاحها انتشار الجرائد، لأنها كانت تُنشر على صفحاتها، إضافة لكونها تتأقلم مع الذائقة الجديدة لجمهور من البرجوازيين، وعلى الأخص من النساء. والواقع أن تلك الفترة عرفت ظهور عدد كبير من الكاتبات الروائيات، برعن في أدب الرسائل بعد نجاح «الرسائل الفارسية» (1721) لمونتسكيو. من هؤلاء الكاتبات مدام دي غرافينيي Mme de Graffigny التي كتبت «رسائل من البيرو» (1747) Lettres péruviennes، ومدام ريكوبوني Mme Riccoboni التي كتبت «رسائل السيدة فاني بوتلر» (1757) Lettres de Mistress Fanny Butler، ومدام دي جينليس Mme de Genlis التي كتبت «آديل وتيودور أو رسائل حول التربية» (1782) Adèle et Théodore ou lettres sur l’éducation. ويمكن تفسير التطور الملحوظ للرواية في هذا العصر بكونها لم تخضع كما المسرحية لقواعد الاتباعية الجديدة[ر] néo-classicisme الصارمة، ومن ثم كانت مرنة على نحو أمكن التصرف فيها بحرية مطلقة ومعالجة كل الموضوعات في إطارها.أما المسرح فقد خضع هو الآخر لتحولات مهمة، إذ عدل فولتير النظام الكلاسيكي وجعله أكثر مرونة، في حين كرّس ديدرو جزءاً كبيراً من كتاباته لقضايا المسرح، وخاصة العلاقة مع الواقع، ودعا لمعالجة المشكلات الأخلاقية في سياقها الاجتماعي. وصحيح أن أدب عصر التنوير لم يصل إلى حد تصوير عامة الناس بشكل حقيقي، لكن شخصية الخادم اكتسبت أهمية لم تكن لها من قبل، فصارت شخصية رئيسية مما يعبر عن تحولات في نظرة المجتمع لطبقاته.تأثر الشعر أيضاً في هذا العصر بالتحليل العقلاني. وقد استمد أندريه شينييه[ر] André Chénier أشعاره من النموذج الإغريقي الكلاسيكي، وكان تأثيره كبيراً في تطور الإبداعية (الرومانسية) المبكرة التي أدت إلى ظهور ملامح جديدة مثل الحساسية المفرطة وتذوق الغموض والميل للمشاهد الجياشة بالعاطفة والتأمل الطهراني والعودة إلى الطبيعة التي تغنى بها روسو في كتابيه «اعترافات» (1781-1788) Confessions و«أحلام» (1782) Rêveries.في ألمانية التي كانت تعاني التجزئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بدأت حركة التنوير (1720-1785) متأخرة عن جارتها فرنسة، علماً بأن لايبنيتز[ر] أحد مؤسسي حركة التنوير في أوربة كان ألمانياً. وفي نهاية عام 1873 كتب كَنت[ر] يقول: «التنوير هو تغلب الإنسان على قصوره الذي اقترفه في حق نفسه. وهذا القصور هو عدم القدرة على استخدام العقل من دون توجيه من إنسان آخر. ويتسبب الإنسان بنفسه في هذا القصور، إذا لم يكن السبب كامناً في عجزه عن الفهم بل في عجزه عن الحسم، وافتقاره إلى الشجاعة لأن يستخدم عقله من دون مساعدة الآخرين. فمبدأ التنوير هو: كن شجاعاً واستعمل عقلك بنفسك». وقد اتسم أدب عصر التنوير بأهداف تربوية، أهمها تدريب العقل بغية توليد القدرة على الفهم، إذ يستطيع الإنسان أن يصل إلى السعادة عن طريق التصرف العاقل. وقد انعكست هذه الأهداف على سوق الكتاب فازدادت الكتب المطبوعة بالألمانية على حساب تلك المطبوعة باللاتينية، وازدادت كذلك أهمية المعاجم والصحف، فظهر بين 1732 و1754 «المعجم الشامل لكل العلوم والفنون» Grosses vollstöndiges Universal-Lexikon aller Wissenschaftetn und Künste، وكذلك ظهر كثير من المجلات والصحف الأسبوعية التربوية وفق النموذج الإنكليزي، إضافة إلى المجلات الأدبية والفلسفية والدينية والسياسية التي تناولت قضايا العصر، مما أعطى الطبقة البرجوازية الفرصة لتكوين آرائها ومواقفها الخاصة. ومن أبرز المسهمين في هذه الأنشطة ماتيسون Matthisson وبروكِس Brockes والسويسريان بودمر Bodmer وبرايتِنْغر Breitinger وفيلاند[ر] Wieland الذي ترجم عن اليونانية واللاتينية والإنكليزية، فعرّف الألمان بشكسبير[ر]، وكذلك نيكولاي Nicolai ومندلسون Mendelssohn ولسينغ[ر] Lessing الذي عارض الكاتب والمنظر والمصلح المسرحي غوتشِد Gotsched الذي كان يدعو للاقتداء بالنموذج الاتباعي الفرنسي ممثلاً بمأساة راسين[ر] Racine وكورني[ر] Corneille التي تروّج لأخلاقيات وجماليات المثال الأرستقراطي في نموذج حكم الملكية المطلق. فدعا لسينغ للالتفات نحو النموذج الإليزابيثي المسرحي ممثلاً بشكسبير ومعاصريه، فكتب الملهاة والمأساة البرجوازية الألمانية وأسس المسرح القومي في هامبورغ بالتعاون مع برجوازية المدينة وأعاد النظر في قوانين أرسطو[ر] المسرحية، فكتب في عام 1759 يقول: «إن الإنكليزي يصل إلى هدفه من المسرحية التراجيدية حتى وإن اختار طرقاً غير مألوفة، أما الفرنسي فإنه لا يصل إلى هدفه أبداً، مع أنه يمشي دائماً على نهج القدماء نفسه». وقد كان لترجمات الأخوين شليغل[ر] أثر بارز في دعم توجه لسينغ الذي اهتم أيضاً بكتابات معاصره الفرنسي ديدرو[ر] Diderot ولاسيما على صعيد نظرية فن التمثيل.وعلى صعيد الرواية أسهم الأدب التنويري الألماني في تطوير ما عُرف بـ «الرواية التربوية» Erziehungsroman إذ تتبلور شخصية الفرد من خلال الأحداث حتى يتحقق الانسجام بين الشخصية والإرادة، فالرواية تصور الـ «أنا» من خلال صراعها مع العالم، تحت تأثير البيئة والبشر. وقد كان لرواية «قصة أغاتون» (1767) Geschichte des Agathon لفيلاند دور الريادة في هذا المجال. أما على صعيد الأجناس الأدبية الأخرى في هذه المرحلة كالشعر والقصة والحكاية فإنها لم تبتعد عن الأهداف التربوية، وقدم الأديب غللرت Gellert في عام 1754 مجموعته اللافتة للنظر «قصائد تعليمية وقصص» Lehrgedichte und Erzöhlungen التي اشتملت أيضاً على بعض الحكايات الخرافية[ر] المنطوية على حكمة تعليمية.
المراجع
الموسوعة.العربية
التصانيف
الآداب اللغات وآدابها