رواة اللغةلما جاء الإسلام ودخل فيه الناس أفواجا واختلط العرب والعجم حدث اضطراب في اللغة وشاع اللحن وامتزج الفصيح من الكلام بالعامي منه بل اختلط العربي من الألفاظ بالأعجمي. فخشي أهل البصر من رجال القرن الأول أن تضيع اللغة وتندرس معالمها وفي ضياعها ضياع الدين فانقطع بعضهم لدرس العربية في البادية فيمكث سنين عديدة يسمع اللغة عن أهلها ثم يعود فيرويها للناس.ومن هنا نشأت طائفة الرواة اللغويين فحييت بهم لغة العرب وآدابهم وأشعارهم وأخبارهم ولولا ذلك لكانت العربية اليوم من اللغات الميتة.أول من لقّب الراوية حماد الراوية المتوفي سنة (155) هـ فكان يحفظ عشرات الألوف من أشعار العرب ويروي ما لا يحصى من أخبارها وحوادثها. وكانت له شهرة عظيمة لهذا السبب فكان خلفاء بني أمية يستقدمونه ويسألونه عن بعض ما يجهلونه من أحوال الشعر والعربية.يروى أن الوليد بن يزيد قال له يوما بما استحققت هذا اللقب فقيل لك الراوية؟ قال بأني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به، ثم أروي لأكثر منهم ممن تعترف بأنك لا تعرفهم ولا سمعت بهم، ثم لا ينشدني أحد شعرا لقديم أو محدث إلا ميزت القديم منه من المحدث.قال إن هذا العلم وأبيك كثير فكم مقدار ما تحفظه من الشعر. قال كثير ولكني أنشدك على أي حرف شئت من حروف المعجم مائة قصيدة غير المقطعات من شعر الجاهلية. قال سأمتحنك وأمره الوليد بالإنشاد فأنشده حتى ضجر الوليد ثم وكل به من استحلفه أن يصدقه عنه ويستوفي عليه فأنشده ألفي قصيدة وتسعمائة قصيدة للجاهليين.وكان الأصمعي من الرواة توفي سنة (215) هـ كان يحفظ ستة عشر ألف أرجوزة غير الشعر والأخبار.وكان الراوي أبو محلم الشيباني توفي سنة (248) هـ قيل إنه صاحب السبعين في عصره قيل إنه لما قدم مكة لزم ابن عيينة فقال له يوما يا فتى أراك حسن الملازمة والاستماع ولا أراك تحظى من ذاك بشيء قال أبو محلم قلت وكيف؟ قال لأني لا أراك تكتب شيئا مما يمر. قلت أني أحفظه. قال كل ما حدثت به حفظته؟ قلت نعم. فأخذ دفتر طالب بين يديه وقال أعد عليّ ما حدثت به اليوم. فأعدته فما خرمت حرفا فأخذ مجلسا آخر من مجالسه فأمررته عليه. فأورد حديث السبعين من ابن عباس وضرب بيده على جنبي وقال أراك صاحب السبعين.من نوادر أبي محلم في الحفظ أن أمير المؤمنين الواثق باللّه سأله يوما عن شاهد من الشعر فيه كلمة المرت، (المرت هو الخلاء الذي لا نبات فيه)، فما فكر طويلا حتى أنشد بعض الحاضرين بيتا فيه كلمة المرت. فضحك أبو محلم ثم قال للذي أنشده ربما بعد الشيء عن الإنسان وهو أقرب إليه مما في كمه. فلا تبرح حتى أنشدك فأنشده للعرب مائة بيت معروف لشاعر معروف في كل بيت منها ذكر المرت.وقيل كان بندار بن عبد الحميد وهو من رجال القرن الثالث لا يغيب عنه من شعر الجاهلية والإسلام إلاّ النزر القليل وذكروا أنه كان يحفظ سبعمائة قصيدة أول كل منها «بانت سعاد».وقال الأصمعي جاء فتيان إلى أبي ضمضم بعد العشاء فقال ما جاء بكم يا خبثاء قالوا جئناك نتحدث. قال كذبتم بل قلتم كبر الشيخ وتبلغته السن عسى أن نأخذ عليه سقطة، فأنشدهم لمائة شاعر كلهم اسمه عمرو. قال الأصمعي فعددت وخلف الأحمر فلم نقدر على أكثر من ثلاثين.وكان ابن دريد المتوفي سنة (321) هـ أحفظ الناس للشعر وأوسعهم علما باللغة فكانت تقرأ عليه مجاميع الأشعار فيسابق إلى إتمامها.وروي أن أبا بكر الأنباري المتوفي سنة (317) هـ كان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت من الشعر شاهدا في القرآن، وكان لا يملي في درسه إلا من حفظه.ومن أعجب ما سمع عنه أن امرأة سألته يوما عن شيء في الرؤيا وكان لا يعرف التعبير. فادعى أنه حاقن «أي محصور» ومضى فحفظ كتاب الكرماني وجاء من الغد متصدرا لتعبير الرؤيا.وكان خاتمة حفاظ اللغة مجد الدين الفيروزابادي مؤلف القاموس المحيط المتوفي سنة (817) هـ آية في سرعة الحفظ. وكان يقول لا أنام حتى أحفظ مائتي سطر.وقد قلد حفاظ اللغة الحديث فجعلوا من الرواية متواترة ومسندة ومنقطعة إلخ وإليك تقسيمهم في ذلك.كيفية تأدية الرواة علمهم كان الرواة يؤدون ما لديهم لسواهم بأربعة أساليب.(أولها) الإملاء وهي أعلى أساليبهم وذلك أن يملي الراوي على طلبته بعض ما عنده في مجالس متعددة فيكتب المستملي في أول الصحيفة هذا مجلس أملاه شيخنا فلان بجامع كذا في يوم كذا ثم يورد المملي بإسناده كلاما عن العرب فيه غريب من اللغة يحتاج إلى تفسير ثم يفسره ويورد من أشعار العرب وغيرها بأسانيده ومن الفوائد اللغوية بإسناد وغير إسناد ما يرى أن فيه فائدة لطلبته.وكان آخر من سار على هذه الطريقة في إملاء العلم أبو السعادات بن الشجري المتوفي سنة (542) هـ وهو صاحب كتاب الأمالي في علم الأدب.(ثانيتها) الإفتاء في اللغة وهي إجابة العالم باللغة عما يسأل عنه منها.(ثالثتها) الرواية وهي أن يروي ما عنده رواية بلا إملاء.(رابعتها) التعليم هو أن يعلم ما لديه لبعض الطلبة على أي أسلوب.من أين استقى الرواة علمهم؟ كان أهل البصرة والكوفة عربا في القرن الأول وكان منهم موالي اشتغلوا بالعربية وبرعوا فيها فكان الرواة يسمعون اللغة عن العرب ثم يروونها ولكن لما اختلط العرب بسواهم من أهل اللحن رأى رواة اللغة أن لا مناص من الرحلة إلى صميم بلاد العرب ليصادفوا الأعراب الجفاة الأقحاح الذين لم يسمعوا اللحن ولم يجر لسانهم به فكانوا يأخذون عنهم اللغة في سنين ثم يعودون فيزيدون ما سمعوه من كلام العرب وأخبارهم.أقدم من عرفناه ممن رحل إلى البادية يونس بن حبيب الضبي المتوفي سنة (183) هـ وخلف الأحمر المتوفي سنة (180) هـ والخليل بن أحمد المتوفى سنة (175) هـ وأبو زيد الأنصاري المتوفى سنة (215) هـ وهو أكثر أخذا عن أهل البادية.استمر الرواة يرحلون إلى البادية إلى أواخر القرن الرابع ثم شيبت لغة أهل البادية باللحن وكانت اللغة قد ضبطت ودونت فلم يعد من حاجة إلى الرحلة إلى البادية.ثم أن العرب لما رأوا اهتمام الناس بالأخذ عنهم صار بعضهم يرد إلى الأمصار فيتلقاه الرواة ويأخذون عنه وأول من فعل ذلك أبو مسجل الأعرابي فإنه قدم من البادية وأخذ النحو عن الكسائي المتوفي سنة (189) هـ وروى شعرا كثيرا من الشواهد عن علي بن المبارك ثم صنف في الغريب.وكان بعضهم يقفون على حلقات بعض الرواة فيسألونهم عن أشياء من العربية تظرفا لا حاجة.وكان الأعرابي متى طال مقامه بالحضر فسدت سليقته فيتعلم اللحن فكان الرواة يمتحنونهم قبل الأخذ عنهم فإذا وجدوهم يفهمون الكلام الملحون ويميزون الصحيح من الخطأ نبذوه لأنهم إنما يريدونه قحا لا علم له باللحن فمتى علم اللحن فيوشك أن يقع فيه.قال الجاحظ إنهم لا يفهمون قولهم ذهبت إلى أبو زيد ورأيت أبي عمرو. ثم قال ومتى وجد النحويون أعرابيا يفهم هذا وأشباهه يهجروه ولم يسمعوا منه لأن ذلك يدل على طول إقامته في الدار التي تفسد اللغة وتنقص البيان. لأن تلك اللغة إنما انقادت واستوت واطردت وتكاملت بالخصال التي اجتمعت لها في تلك الجزيرة وفي تلك الجيرة ولفقد الخلطاء من جميع الأمم ولقد كان بين يزيد بن كتوم يوم قدم علينا البصرة وبينه يوم مات بون بعيد على أنه قد كان وضع منزله في آخر موضع الفصاحة وأول موضع العجمة وكان لا ينفك من رواة ومذاكرين.روى المبرد في الكامل أن الأصمعي شك في كلمة استخذى أي خضع واحب أن يتحقق أهي مهموزة أم غير مهموزة. قال فقلت لأعرابي أتقول استخذيت أم استخذأت قال لا أقولها قلت: ولم؟ قال لأن العرب لا تستخذي (أي لا تخضع).وقال الأصمعي لأعرابي أتهمز الفأرة؟ قال تهمزها الهرة.وقال الجاحظ سمعت ابن بشير وقال له المفضل العنبري إني عثرت البارحة بكتاب وقد التقطته وهو عندي وقد ذكروا أن فيه شعرا فإن أردته وهبته لك. قال ابن بشير أريده إن كان مقيدا (أي مشكولا). قال واللّه ما أدري أكان مقيدا أم مغلولا. قال الجاحظ ولو عرف التقييد لم يلتفت إلى روايته.فالأعرابي الذي كان يأخذ عنه الرواة يشترط فيه عدم القدرة على النطق باللحن وعدم تجاوز لغة قومه إلى لغة قوم آخرين لأنه كما يقلد في الصواب يقلد في الخطأ.قال الأصمعي جاء عيسى بن عمر الثقفي ونحن عند أبي عمرو بن العلاء فقال يا أبا عمرو ما شيء بلغني عنك تجيزه؟.قال وما هو؟ قال بلغني أنك تجيز (ليس الطيب إلا المسك) بالرفع قال أبو عمرو نمت وأدلج الناس ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب ولا في الأرض تميم إلا وهو يرفع. ثم قال قم يا يحيى يعني اليزيدي وأنت يا خلف يعني خلف الأحمر فاذهبا إلى أبي المهدي أعرابي الحجاز فلقناه الرفع فإنه لا يرفع. واذهبا إلى أبي المنتجع أعرابي تميم فلقناه النصب فإنه لا ينصب.قال فذهبنا فأتينا أبا المهدي فإذا هو يصلي فلما قضى صلاته التفت إلينا وقال ما خطبكما؟ قلنا جئنا نسألك عن شيء من كلام العرب؟ قال هاتا. فقلنا كيف تكون (ليس الطيب إلا المسك) بالرفع؟ فقال تأمرني بالكذب على كبر سني؟ فقال له خلف ليس الشراب إلا العسل. قال اليزيدي فلما رأيت ذلك منه قلت له: ليس ملاك الأمر إلا طاعة اللّه والعمل بها. فقال هذا كلام لا دخل لي فيه، ثم أعادها بالنصب فرفعنا ثانية. فقال ليس هذا لحني ولا لحن قومي. قال فكتبنا ما سمعنا منه ثم أتينا أبا المنتجع فلقناه النصب وجهدنا به فلم ينصب وأتى إلا الرفع.المحاكمة إلى أعراب البادية كان رواة اللغة إذا اختلفوا في أمر منها حكموا لأعراب الجفاة الأقحاح فما نطقوا به اعتبر صحيحا.وأظرف ما عرف من محاكمتهم هذه اختلاف سيبويه والكسائي بحضرة الرشيد وذلك أن سيبويه قدم إلى بغداد وكان الكسائي يعلم الأمين وهو يومئذٍ رأس الكوفيين. فوفد سيبويه على يحيى بن خالد وابنيه جعفر والفضل وعرض عليهم ما يذهب إليه من مناظرة الكسائي. فسعوا له في ذلك وأوصلوه إلى الرشيد. فكان فيما سأله الكسائي كيف تقول ظننت أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي أو إياها؟ فقال سيبويه فإذا هو هي. وأجاز الكسائي القولين بالرفع والنصب.ثم قال الكسائي كيف تقول يا بصري خرجت فإذا زيد قائم أو قائما؟ فقال سيبويه أقول قائم ولا يجوز النصب. فقال الكسائي أقول قائم وقائما. فقال الرشيد قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن يحكم بينكما؟ قال الكسائي هذه العرب ببابك قد سمع منهم أهل البلدين فيحضرون ويسألون. فجاؤا بالأعراب الذين كانوا بالباب يومئذٍ وهم أبو فقعس وأبو دثار وأبو الجراح وأبو ثروان فوافقوا الكسائي. ويقال أنهم رشوا على ذلك أو أنهم علموا مكان الكسائي من الرشيد فمالوا إليه.ويقال أنهم لم يزيدوا على أن قالوا في الموافقة القول ما قال الكسائي ولم ينطقوا بالنصب، وإن سيبويه قال للرشيد مرهم لينطقوا بذلك فإن ألسنتهم لا تطوع به.الفصحاء الذين أخذ عنهم الرواة كان الرواة لا يأخذون إلا عن عرب العراق وقليل من عرب الحجاز إلاّ أنّ الجاحظ ذكر اسم عكيم بن عكيم الحبشي وقال كان أفصح من العجاج. وكان علماءالشام يأخذون عنه كما أخذ علماء أهل العراق عن المنتجع بن نيها. وكان المنتجع من أهل السند وقع إلى البادية وهو صبي فخرج أفصح من رؤبة بن العجاج.أما المشهورون من فصحاء أهل البادية فهم:الخثعمي وكان راوية أهل الكوفة وأبو خيرة العدوي وأبو الدقيش وأبو مهدية وأبو المنتجع وأبو البيداء الرياحي وراويته أبو عدنان. وكان أبو البيداء حين نزل البصرة يعلم الصبيان بأجر وأبو طفيلة وأبو حياة بن لقيط والفقعسي محمد بن عبد الملك رواية بني أسد وصاحب مفاخرها وأخبارها أدرك المنصور وعنه أخذ العلماء مآثر بني أسد. وعيد بن همرو بن أبي صبح كان معاصرا للفقعسي. وأبو مالك عمرو بن كركرة الأعرابي اللغوي صاحب النوادر وكان يعلم في البادية ويورق في الحضر أي يعاني النسخ والتصحيح والضبط وأبو الحاموس ثور بن يزيد، وكان من أفصح الناس لسانا وهو الذي أخذ عنه بن المقفع الفصاحة. وأبو سوار الغنوي. وأبو زياد الكلابي قدم بغداد أيام المهدي فأقام بها أربعين سنة. وأبو عرار العجلي. وأبو ثوابة الأسدي. وأبو ضمضم الكلابي وعمرو بن عامر الهذلي وقد أخذ عنه الأصمعي. وأبو شبل العقيلي وفد على الرشيد واتصل بآل برمك. وأبو ثروان العكلي وكان يعلم بالبادية. وأبو فقعس وأبو دثار وأبو الجراح وهؤلاء هم الذين حكموا بين سيبويه والكسائي. وأبو العميثل وعوسجة وأبو مسهر وأبو المضرحي والحرامزي وأبو الهيثم وأبو المحبب الربعي وأبو الصقر الكلابي وأبو الصعق العدوي وأبو أدهم الكلابي والمفضل العنبري. ويزيد بن كثوة. وناهض بن ثومة الكلابي. وكان شاعرا بدويا جافيا. وأبو السمح الطائي.ومن أشهر فصيحات العرب اللاتي أخذ عنهن الرواة غنية أم الهيثم الكلابية وكانت راوية أهل الكوفة وقريبة أم البهلول وغنية أم الحمارس.

المراجع

الموسوعة.كوم

التصانيف

اللغة   معاني   كلمات