نبذة وتعريف
من المعروف أن المجال الجوي المتاح للاستخدام الراديوي هو من الأهمية بمكان ويجب ترشيد استخدامه، مثلما هي حال الماء في الصحراء. ويردّ ذلك إلى المُرسِلات والمُستقبِلات التقليدية التي يجب أن ينحصر تشغيلها في شرائح ضيقة مكرَّسة من الطيف الكهرمغنطيسي لتقليل التداخلات interference إلى أقصى حد. لذا راحت الحكومات تقوم بتجزئة القنوات الراديوية وترخيصها وكأنها عقارات. وفي الولايات المتحدة عمدت هيئة الاتصالات الاتحادية (FCC) أحيانا إلى عملية مزايدة في الأسعار لتوزيع نُطُق (نطاقات، عُصَب) ترددات قيِّمة على أغراض متنوعة، تشمل محطات البث الإذاعي والتلفزيوني التجارية والتراسلات العسكرية والبحرية وتراسلات الشرطة ومكاتب النقل بالأجرة (التكسي) واتصالات النطاق المدني الراديوي Citizens Band وهواة البث الراديوي ومستخدمي الهاتف الخلوي.
الحاجة لتقنية جديدة
ولكن أوجُه التقدم الحديثة في الاتصالات الرقمية فتحت الباب لنموذج إرسال جديد بالكامل، فأصبحت المُرسِلات الآن قادرة على الاستفادة مما يسمى تقنيات تمديد الطيف، وفيها تتقاسم القنوات الطيف من دون أن يدخل بعضها في نزاع مع بعضها الآخر، إذ يمكن تقطيع المعلومات إلى رزم إلكترونية رقيقة مؤلفة من واحدات وأصفار، ثم إرسالها على الموجات الراديوية، على أن ترسل كل رزمة في قنوات مختلفة، أو ترددات، وبقدرة منخفضة. وبيّنت الدراسات الحديثة أن الملايين من المُرسلات الراديوية الواقعة ضمن المنطقة الحضرية نفسها تستطيع نظريا أن تعمل بنجاح في نطاق التردد ذاته، في حين أنها تنقل مئات الميگابِتَّة من البيانات (المعطيات) في الثانية الواحدة.
يوجد من الطيف ما يكفي لجميع الناس
ما أساس هذه الثورة التقانية؟ تعمل الاتصالات الراديوية التقليدية على بثّ المعلومات في قناة وحيدة ضيقة وبقدرة عالية. فعندما يعمل أحد المُرسلات في حيّز ضيق من الطيف الكهرمغنطيسي، يكون قد أفسح المجال لغيره من المرسلات لكي تعمل في الترددات المجاورة من دون تداخل. ولكن مهندسي الاتصالات الراديوية صاروا يعلمون اليوم أن الأسلوب المعاكس في إرسال البيانات ـ أي نشر المعلومات أو تمديدها عبر طيف أوسع وبقدرة أخفض ـ هو أسلوب أكثر فعالية.
إن هذا المفهوم يعارض الحدس
فبدلا من أن تقوم التقانة بتقطيع الفطيرة إلى عدد متناهٍ من الشرائح الصغيرة، فإنها تتيح تقاسم الفطيرة بكاملها على نطاق أوسع، فتسمح للجميع وبعدد غير محدود بتناول لقيمات لا تكاد تذكر. ومع أن البث الراديوي الممتد الطيف يستخدم عرض نطاق أكثر من اللازم، فإن الأجهزة التي تعمل بها تتفادى التداخل؛ لأن الإرسالات تتم بقدرة دنيا وبشكل دفقات من البيانات عند تردد ما. فالإشارات المُرسَلة هي بالفعل من الضَّعْف بحيث يتعذر إدراكها فوق مستوى الضجيج الكهربائي للخلفية. ولهذه الميزة في تمديد الطيف فائدة أخرى أيضا؛ إذ تجد أجهزة البث الراديوي الأخرى صعوبة كبيرة في التنصت على الإرسال، بل ولا يمكن عمليا أن يعلم بوجود إرسال ما إلا المستقبِلات المقصودة.
إطلالة تاريخية
إن الطبيعة الخفيَّة لتمديد الطيف كانت في البدء هي جاذبيته الرئيسية. ففي أثناء الحرب العالمية الثانية اهتم الجيش الأمريكي بجهاز خلاَّب كانت نجمة التمثيل هَيدي لامار قد شاركت في تسجيل براءة اختراعه ,كان مفهومه بسيطا للغاية ـ فبدلا من بث المعلومات على قناة وحيدة، حيث قد يتمكن العدو من العثور على الإرسال مصادفة، يقوم الجهاز بالبث متنقلا
عبر قنوات مختلفة بشكل مستمر، فيبث كمية صغيرة من المعلومات هنا وأخرى هناك، وفقا لكود سري لا يعلمه إلا المُرسِل والمستقبِل المقصود. وهذا القفز hopping الترددي المتكرر يجعل من الصعب جدا على العدو أن يستجمع كامل الإرسال من خلال الضجيج الكهربائي المحيط به. ولكن جهاز هَيدي لامار كان غير عملي على ما يبدو؛ لأنه كان يعتمد على أداة ميكانيكية غريبة لإنجاز عملية القفز الترددي.
التقدم فى أشباه الموصلات
ولكن التقدم اللاحق في مجال الدارات الإلكترونية جعل تمديد الطيف مجديا، فالشيبَّات نصف الموصِّلة (الناقلة) المرصَّعة بآلاف الترانزستورات تستطيع بث رُزَم رقمية من البيانات على عدة قنوات في نمط يبدو عشوائيا. غير أن المُستقبِل المصمَّم ليسمع الإشارات وفق التتابع الخاص الدقيق للمرسِل الراديوي، يكون قادرا على اجتذاب المعلومات المجزَّأة بالترتيب الصحيح من مختلف الترددات. إضافة إلى ذلك، عندما يصادف المُستقبِل رزما مفقودة أو مغلوطة يمكنه إبلاغ المرسِل الراديوي بإعادة إرسال تلك الرزم. كما أنه من الممكن استخدام تقنية تدعى تصحيح الأخطاء المبكِّر forward error correction لتحسين فُرَص استقبال البيانات بشكل صحيح من المرة الأولى. لقد وفَّرت التقانات الإلكترونية طريقة أخرى لتمديد الطيف، ألا وهي طريقة التتابع المباشر direct sequence التي تُمزَج فيها المعلومات المرسلة بإشارة مكوّدة بحيث تبدو لمستمع خارجي وكأنها ضجيج. ففي هذا البديل عن القفز التردّدي تُرْسَل كل بتة من البيانات على ترددات مختلفة في الوقت نفسه، على أن يكون المُرسِل والمُستقبِل متزامنين بالطبع مع التتابع المكوّد نفسه.
المخترعون غير المتوقعين للاتصالات الراديوية بالقفز الترددي
كانت الممثلة هَيدي لامار موهوبة وساحرة وفاتنة، وكانت أيضا صاحبة فكر تقاني. فلقد تقدمت هَيدي (نجمة التمثيل) في عام 1941 بالاشتراك مع المؤلف الموسيقي الطليعي جورج آنثيل بطلب لتسجيل براءة اختراع تخص «نظامهما للاتصال السري»، وهو جهاز صُمِّم ليساعد على توجيه الطُربيدات الأمريكية بإشارات راديوية تقفز باستمرار من تردد إلى آخر، مما يصعّب على العدو اعتراضها أو التشويش عليها.
يمكن أن تكون فكرة «القفز الترددي» خطرت لهيدي لامار ـ التي ولدت باسم هِدڤيگ ماريا إيڤا كيسلر في فيينا ـ عندما كانت متزوجة من فريتز ماندل , وهو مصنِّع أسلحة كان يبيع الذخيرة لأدولف هتلر. وبهذا الزواج الذي رتبه لها والداها كانت لامار زوجة ماندل ومحطّ اعتزازه ترافقه إلى العديد من دعوات العشاء واجتماعات الأعمال حيث تعلمت بصمت وفي غفلة عن المشاركين الكثير عن تقانة حرب دول المحور. وبعد أربع سنوات قضتها لامار مع ماندل، وهي المعادية الشرسة للنازية، هربت إلى لندن حيث اكتشفها ، صاحب شركة متروجولدوين ماير، وأقنعها بالذهاب إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي هوليوود اجتمعت بأنثيل الذي ساعدها على اكتشاف سبيل لمزامنة القفز الترددي بين جهازي الإرسال والاستقبال الراديويين. واختراعهما هذا الذي قدماه مجانا إلى حكومة الولايات المتحدة كان يستدعي وجود لفَّتين من الورق تشبهان اللفات المستعملة في البيانو الآلي، وهما مثقبتان بنمط متطابق من الثقوب العشوائية. وتتحكم إحدى اللفتين في المرسِل الموجود في الغواصة في حين تُقذف اللفّة الأخرى مع المُستقبِل الموجود على الطربيد. ومع كل براعة هذا الجهاز فقد كان أكثر من مُربك لاستخدامه في الحرب العالمية الثانية.
ومع ذلك بقيت فكرة القفز الترددي تتبرعم ببطء، إلى أن أصبح مقاولو البحرية الأمريكية في أواخر الخمسينات قادرين على الاستفادة من بواكير المُعالجات الحاسوبية للتحكم في التتابع القفزي ومزامنته. ومنذئذ وسّع الجيش الأمريكي دائرة انتشار تقنيات أكثر إتقانا لمعالجات أكثر سرعة موضوعة في أجهزة سرية ومكلفة بما في ذلك منظومات اتصالات عبر الأقمار الصنعية. وفي هذه الأيام أصبحت هذه التقانة واسعة الانتشار في الهواتف الخلوية وفي خدمات الاتصالات الشخصية (PCS) من ضمن غيرها من التطبيقات المدنية.
كانت هيدي لامار نجمة التمثيل في هوليوود قد شاركت في تسلم براءة الاختراع (المُدرجة هنا) المتعلقة بتقانة أساسية تستعمل الآن على نطاق واسع في الهواتف الخلوية وخدمات الاتصالات الشخصية (PCS).
المراجع
موسوعة المعرفة
التصانيف
العلوم التطبيقية انتشار ترددات الراديو