أينما تلتفت تجد أمامك تقارير وأخبار عن التوحد مما قد يسبب لك الحيرة والقلق. فما هو التوحد؟ وهل هو وباء متخفٍّ حقاً كما يدفعنا البعض للتصديق؟
ما هو التوحّد؟
التوحد (Autism)، أو اضطراب الطيف التوحدي (Autism Spectrum Disorder)، هو أحد اضطرابات النمو الشاملة وهو عبارة عن مجموعة من الأمراض التي تسبب تأخراً في المهارات الرئيسية، وأهم مظاهر التأخر في التوحد هو عدم القدرة على التفاعل الاجتماعي وإقامة علاقات مع الآخرين، وكذلك عدم القدرة على التواصل واستخدام الخيال، بما فيه اللعب التخيّلي.
وعلى الرغم من أن السبب الرئيسي للتوحد ما زال غير معروفاً، إلا أن الأبحاث قد أشارت إلى بعض العوامل التي قد تسبب التوحد مثل العوامل الجينية (الوراثية) وبعض أنواع العدوى ومشاكل الولادة.
ويجدر الإشارة إلى أن الذكور يصابون بالتوحد أكثر بأربع مرات من الإناث. ومن جهة أخرى فإن التوحد لا يفرق بين الأعراق والألوان أو الطبقات الاجتماعية حيث أن دخل الأسرة وأسلوب الحياة والمستوى التعليمي كلها لا تؤثر على فرص إصابة الطفل بالتوحد.
وعلى الرغم من أن معظم المصابين بالتوحد يواجهون مشاكل في التواصل مع الآخرين، إلا أن التشخيص المبكر والعلاج قد ساعدا الكثير من المصابين بالتوحد على العيش باستقلالية بعد بلوغهم.
ما هي أعراض التوحد؟
قد تظهر أعراض التوحد عند بعض الأطفال منذ الولادة ولكن قد ينمو البعض الآخر بشكل طبيعي ثم تبدأ فجأة أعراض التوحد بالظهور لديهم بعمر 18 إلى 36 شهراً.
وتختلف أعراض التوحد بين المصابين وقد تتفاوت في حدتها حيث قد تكون بعضها طفيفة بينما قد تسبب أخرى الإعاقة لدى المصاب، وتبدأ الأعراض بالظهور عادة قبل بلوغ الطفل سن الثالثة وتستمر لديه مدى الحياة. وفيما يلي بعض الأعراض العامة المصاحبة عادةً للتوحد:
صعوبة التواصل، وهذا يشمل صعوبة استخدام اللغة وفهمها
عدم القدرة على مشاركة الآخرين في الحديث على الرغم من القدرة على الكلام
عدم القدرة على التواصل غير اللفظي كالإيماء أو استخدام تعابير الوجه
صعوبة التفاعل الاجتماعي وهذا يشمل إقامة العلاقات مع المحيط
يكون التواصل بالعين مع الآخرين قليلاً أو معدوماً
عدم الاستجابة للإشارات اللّفظية إذ قد يتصرف الطفل كأنه أصم، على الرغم من أن فحوصات السمع تكون طبيعية
عدم القدرة على تكوين الصداقات ويفضل اللعب وحيداً
يكون لديه طرق غير اعتيادية في اللعب بالألعاب والأشياء الأخرى كوضعها في خطوط معينة مثلاً
صعوبة التكيف مع التغيير أو إصرار كبير على اتباع روتين معين بتفاصيله
تكرار بعض الحركات أو نمط معين في السلوك كالتصفيق أو الدوران أو ضرب الرأس بعنف
الانشغال بالأشياء أو أجزاء الأشياء غير الاعتيادية
يذكر أن الأشخاص المصابين بأحد أشكال التوحد المعروف بـ Savantism لديهم مهارات استثنائية في بعض المجالات كالموسيقى والفن والأرقام، ولديهم القدرة على أداء هذه المهارات دون الحاجة إلى دروس أو تدريب.
ما أسباب التوحد؟
ليس هناك سبب معين للتوحد، حيث أظهرت الدراسات أن لدى بعض الأشخاص استعداداً جينياً للإصابة بالتوحد، مما يعني أن قابلية اكتساب هذه الحالة قد تنتقل من الآباء إلى الأبناء، وهذا يدفع العلماء للبحث عن أدلة لتحديد الجينات المسؤولة عن زيادة التعرض لهذا المرض. كذلك قد تلعب العوامل البيئية دوراً عند بعض الأطفال.
وقد أظهرت الدراسات التي أجريت حول المصابين بالتوحد شذوذاً في عدة مناطق من الدماغ وهذا يعني أن التوحد قد يكون نتيجة لوجود خلل في تطور الدماغ خلال مراحل تطور الجنين، كما أظهرت الدراسات أيضاً أشكالاً وتركيبات غير طبيعية لأدمغة الأطفال المصابين.
كما وتشير نظريات أخرى للتوحد إلى ما يلي:
قد ينتج جهاز المناعة عن طريق الخطأ أجساماً مضادة والتي قد تهاجم دماغ الطفل مسببة التوحد.
قد يسبب الشذوذ في تركيب أو بنية الدماغ سلوك التوحد.
تتطور أدمغة الأطفال المصابين بالتوحد بتوقيت غير طبيعي، ففي مرحلة الطفولة ينمو دماغ الطفل المصاب بالتوحد بشكل أسرع من الطفل غير المصاب، ولكن عندما يبدأ دماغ الأطفال غير المصابين بالنمو ليصبح أكبر وأكثر تنظيماً، يصبح تطور دماغ أولئك المصابين بالتوحد أبطأ.
قد تؤدي بعض المشاكل خلال الحمل والولادة كالعدوى الفيروسية واختلالات الأيض والتعرض للمواد البيئية الكيماوية إلى التوحد.
ماهي المشاكل التي تواجه الطفل المتوحد؟
يعاني الطفل المصاب بالتوحد من صعوبة التواصل مع الآخرين وعدم فهم ما يفكر الآخرين به وما يشعرون به، مما يجعل التعبير عن نفسه أصعب سواء أكان ذلك بالكلام أو بالإيماء وتعابير الوجه واللمس. ويتّسم الطفل المتوحد بالحساسية الشديدة وقد يعيش في قلق بالغ، وفي أحيان كثيرة قد يشعر بالألم من الأصوات واللمس والروائح أو حتى من المناظر التي قد تبدو طبيعية للآخرين. وقد يقوم الطفل المتوحد بتكرار بعض الحركات كالاهتزاز أو التصفيق، كما قد تكون لديه استجابات غير اعتيادية للأشخاص أو التعلق بالأشياء أو مقاومة أي تغيير في الروتين وكذلك قد يظهر العنف ويؤذي نفسه، وفي أحيان أخرى قد يبدو وكأنه لا يلاحظ من حوله من ناس أو أشياء أو ما يحيطه من نشاطات.
قد يعاني بعض المصابين بالتوحد من الإعاقة العقلية، إلا أن معظم المصابين باضطراب النمو الشامل عموماً يتمتعون بمعدلات ذكاء طبيعية وأحياناً مرتفعة. وبينما يواجهون صعوبات في بعض النواحي كالتواصل مع الآخرين، إلا أنهم يظهرون تطوراً ملحوظاً في المهارات في مجالات أخرى كالرسم والموسيقى وحل المسائل الرياضية والقدرة على الحفظ، لذلك قد يحرزون علامات أعلى نسبياً في اختبارات الذكاء غير اللفظية.
كيف يتم تشخيص التوحد؟
ينصح المعهد الأمريكي لطب الأطفال بفحص الأطفال للكشف عن التوحد بين الشهرين الثامن عشر والرابع والعشرين، مما يساعد الأخصائيين على الكشف عن العلامات المبكرة للتوحد، حيث قد تساعد أدوات فحص النمو مثل الاستطلاعات المتعلقة بمراحل النمو أو القائمة المعدلة للكشف عن التوحد في تقييم السلوك.
وينبغي إخضاع الطفل للفحص إذا ما اكتشف الأخصائيون إحدى هذه العلامات الواضحة في تأخر النمو:
امتناع الطفل عن الثرثرة أو القيام بأية إيماءات بحلول الشهر الثاني عشر من عمره
عدم النطق بأية كلمة بحلول الشهر السادس عشر من عمره
عدم القدرة على تكوين جمل عفوية من كلمتين على الأقل بحلول العام الثاني من عمره، بغض النظر عن تكرار بعض الجمل المعينة
فقدان أية مهارات لغوية أو اجتماعية في أية مرحلة عمرية
ويستحسن استشارة اختصاصي في هذا المجال كطبيب أطفال مختص بالنمو أو طبيب نفسي مختص بالأطفال، أو أخصائي نطق للقيام بالفحوصات الإضافية اللازمة.
من جهة أخرى تبرز أهمية مراقبة الأطفال الذين لديهم أخوة مصابون بالتوحد حيث أنهم يكونون أكثر عرضة للإصابة بالتوحد أو بأية مشاكل أخرى متعلقة بتطورهم. وبالإضافة إلى تقييمهم خلال زيارات الطبيب الدورية يتوجب إخضاع هؤلاء الأطفال لاختبارات تأخر اللغة أو مشكلات التعلم أو القدرة على التواصل الاجتماعي أو أية أعراض أخرى قد تشير إلى أنهم قد يعانون من القلق أو الاكتئاب.
كذلك يجب أن يتم إجراء فحص تقييمي لأي شخص تظهر لديه مشاكل اجتماعية أو سلوكية أو تعلّمية مهما كان عمره، ويرى الخبراء أنه إذا كان حدسك يخبرك بأن طفلك مصاب بالتوحد، فعليك أن تبادر بعرضه على الطبيب المختص لإجراء التقييم، ففي كثير من الأحيان يستطيع الآباء التمييز أن طفلهم لا يتواصل معهم في حين قد يغفل الطبيب عن هذه الإشارات.
ما هي أنواع التوحد؟
من أبرز أنواع التوحد ما يلي:
اضطراب التوحد ((Autistic Disorder: وهو ما يعرف غالباً لدى الناس بأنه متعلق بالمشاكل الاجتماعية والتواصل الاجتماعي واللعب التخيّلي عند الأطفال دون سن الثالثة.
متلازمة أسبيرجر (Asperger's Syndrome): تظهر عند الأطفال المصابين بهذه الأعراض بعض صفات التوحد خاصة ضعف المهارات الاجتماعية وتفضيل الروتين والرتابة، ولكن بعكس المصابين باضطراب التوحد فإنهم يبدؤون التكلم في عمر السنتين (وهو غالباً العمر الطبيعي لتطور مهارة النطق عند الأطفال)، ويتسمون بمعدلات ذكاء تتراوح بين العادية وفوق العادية.
متلازمة ريت (Rett Syndrome): ينتشر هذا النوع في المقام الأول بين الإناث، حيث تبدأ المصابة بالنمو بشكل طبيعي ثم تبدأ تدريجياً بفقدان القدرة على التواصل الاجتماعي، ويصبح تطور الدماغ بطيئاً خلال الأشهر الأولى ثم تفقد المصابة القدرة على تحريك اليدين والعضلات كافة بشكل طبيعي، بالإضافة إلى أن الإعاقة العقلية من أهم سمات هذا النوع.
اضطراب التفكك الطفولي (Childhood Disintegrative Disorder): يشبه هذا النوع التوحد، ولكن الأطفال المصابين به يتطورون بشكل طبيعي حتى عامهم الثاني وبعدها يفقدون القدرة على التواصل الاجتماعي.
كيف تتم معالجة التوحد؟
قد تتشابه أعراض وسلوكيات التوحد في نواحٍ كثيرة ولكنها تتفاوت في حدتها، بالإضافة إلى ذلك فإن الأعراض والسلوكيات الفردية قد تختلف مع الوقت، لهذا فإن العلاج يُحدد حسب الحالة وحسب إمكانيات العائلة.
ويعد التوحد من الأمراض غير القابلة للشفاء، إلا أن التدخل المبكر والعلاج قد يساعدان في توفير تطور طبيعي نسبياً للطفل المصاب وفي تقليل السلوكيات غير المرغوبة. ويستفيد الأطفال المتوحدون عامة بشكل أكبر من الروتين ومن البيئة ذات النظام الدقيق.
وفيما يلي بعض النقاط التي يمكن اتباعها في معالجة التوحد:
· التعليم الخاص (Special Education): وهو الذي يلبي الاحتياجات التعليمية الخاصة بالطفل.
· تطوير السلوك (Behavior Modification): هذا يشمل الاستراتيجيات الداعمة لتحسين سلوك الطفل والتقليل من تلك المشاكل.
· العلاج الطبيعي أو العلاج بالكلام أو بإشغال الطفل: تهدف هذه العلاجات إلى تحسين القدرات الوظيفية للطفل.
· الأدوية (Medication): لم يثبت اكتشاف أي دواء لعلاج التوحد، ولكن قد يتم استخدام بعض الأدوية لعلاج أعراض معينة، مثل القلق والاكتئاب وفرط النشاط والوسواس القهري أو أية سلوكيات أخرى قد تؤذي المريض.
أين وصلت الأبحاث حول مرض التوحد؟
يعمل الباحثون الآن على دراسة حالات شذوذ الدماغ التي تسبب التوحد عن طريق البحث عن الجين الذي يزيد من فرصة الإصابة بالمرض. كما ويبحث العلماء عن العلامات البيولوجية عند الولادة التي قد تؤكد إصابة الطفل بالتوحد، ويدرس آخرون العلاقات في المناطق المختلفة من الدماغ ووظائفها ومدى تأثير الاختلاف في هذه الوظائف على إمكانية الإصابة بالتوحد. ويأمل الباحثون أن تكشف هذه الدراسات عن أدلة جديدة عن التوحد وعن كيفية تأثر سلوك الإنسان في حالات شذوذ الدماغ.
ويجب أن لا ننسى أن التوحد لا يمكن منعه أو شفاؤه ولكن الكشف المبكر عنه مهم جداً في زيادة قدرة الطفل على التكلم والتعلم والأداء. لذلك من المهم أن يراجع الأطفال الطبيب المختص بشكل دوري حتى يتم الكشف عن التوحد في وقت مبكر حيث أنه كلما كان الكشف مبكراً كان العلاج أكثر فعالية.
المراجع
www.sehetna.com.jo/pages/LatestOnAutism.aspx موسوعة بوابة صحتنا
التصانيف
حياة