عصور مظلمة
إن مصطلح العصور المظلمة يُطلق عليه بعض من المؤرخين بالعصور الوسطى، هو عبارة عن مصطلح تم ابتكاره بعد مدة طويلة من انقضاء تلك العصور، وعليه فقد عرّفوا العصور المظلمة على أنها مدة زمنية وسيطة بين عراقة الماضي وعظمة الحاضر، إذ تعتبر فترة العصور الوسطى أو المظلمة فترة استمرارية وتكوين، فهي استمرارية لروما القديمة بجنسه البشري، وباللغة المستعملة فيها، وكذلك بالمؤسسات التي كانت قائمة في العصر السابق وبالقوانين التي كانت سائدة فيها والآداب والفنون.
حيث إنّ مرحلة العصور المظلمة مرحلة تكوين؛ إذ انشئت فيها ثقافات مختلفة عما كانت سائدة في روما، بسبب دخول الكثير من الأقوام مثل: الفرنجة والسكسون واليونانيين والعرب بحضاراتهم المختلفة في الحضارة الجديدة التي سادت في هذا العصر والموروثة عن أوروبا الغربية، فعلى سبيل المثال تشكلت اللغة الإنجليزية وأصولها في هذا العصر وأصبحت من اللغات شائعة الاستخدام.
على هذا المبدأ فإن فترة العصور المظلمة أو العصور الوسطى لم تكن مجرد مدة استمرارية لما سبقتها، بل على العكس كانت مرحلة تشكيل وتكوين للعالم من جديد، وهناك من المؤرخين من ذهب إلى القول إنّ فترة العصور المظلمة كانت فترة صعود أكثر منها فترة تدهور وانكسار، والسبب في ذلك أنّ باضمحلال وانتهاء الحضارة الوثنية التي كانت سائدة في العصور القديمة التي سبقت العصور المظلمة بدأت تظهر براعم حضارة جديدة هي التي كانت السبب وراء ظهور الحضارات الحديثة.
أما مطلع العصور المظلمة فقد اختلف المؤرخون في تحديدها فذهبوا في كثير من الاتجاهات؛ فمنهم من رأى أنها بدأت عام (248 / 308م) وهي فترة وصول الإمبراطور دقلديانوس إلى سدة الحكم في الإمبراطورية الرومانية، ومنهم من رأى أن بداية العصور المظلمة كانت عام (305 / 337م) مع بداية عصر الإمبراطور قسطنطين الكبير، وفريق آخر رأى أنها بدأت مع وصول الإمبراطور جوليان عام (361م) وآخرون رأوا أن بدايتها كانت مع تتويج الملك شارلمان إمبراطور على الغرب.
يرجح أن الرأي الراجح هو أن مطلع العصور المظلمة كانت عام 476 م، عندما تمكن زعيم بربري قوطي يدعى أودواكر من أن يخلع آخر الأباطرة الرومان وهو رومولوس أوغسطواوس من على عرش روما، فهو التاريخ الأقرب إلى الواقع، والسبب أنّ التحول من العصور القديمة إلى العصور الوسطى (المظلمة) كان بطيئًا جدًا واستغرق الكثير من الوقت،[١] وحقيقة تعد العصور الوسطى أو المظلمة فترة مهمة وحساسة من فترات التاريخ الأوروبي فمن خلالها يمكن للباحثين والدارسين فهم التاريخ الحديث لأوروبا، وتجدر الإشارة إلى أن العصور المظلمة استمدت أصولها من ثلاثة مصادر مهمة هي: التراث الكلاسيكي بوجه عام والتراث الروماني بشكل خاص، والدين المسيحي، والجرمان.
كان لانتشار الديانة المسيحية تأثير هائل على مختلف نواحي الحياة الأوروبية في تلك الفترة، خاصة في الأمور السياسية والتشريعية والعلاقات الاجتماعية والمظاهر الفنية والأدبية والنشاطات العلمية، وهذا دليل واقعي وملموس على انتهاء العصور القديمة وبداية العصور الوسطى (المظلمة) وفترة العصور المظلمة في أوروبا لم تكن على نسق أو نظام واحد، فأحوال الدولة والناس كانت تتطور وتتبدل بمرور الزمن؛ لذلك قسم المؤرخون هذه العصور إلى ثلاث مراحل تختلف كل واحدة عن الأخرى من حيث الزمان والمكان، وهي على النحو الآتي:
- المرحلة الأولى (300 / 1000م):
حيث امتدت هذه المرحلة على مدار سبعة قرون مطلع من القرن الرابع وحتى نهاية القرن العاشر، وفيها قضى البرابرة الجرمان على الإمبراطورية الرومانية، وساد الفساد وعمت الفوضى أرجاء البلاد؛ لذلك أطلق المؤرخ كير على الفترة الأولى من هذه العصور اسم (العصور المظلمة) وأخذ عنه الكثيرون هذه التسمية.
- المرحلة الثانية (1000 / 1300م):
اثناء هذه الفترة وقعت الحروب الصليبية التي شنتها أوروبا الغربية بزعامة البابوية على المشرق العربي والإسلامي.
- المرحلة الثالثة (1300 / 1500م):
فيها تغيرت نظرة شعوب أوروبا بالنسبة للملك وصلاحياته الواسعة، وابتكروا فكرة وجود مجلس يقاسمه تلك الصلاحيات وهو البرلمان، كما أزيحت جميع الأفكار القديمة المتعلقة بوجوب أن تكون أوروبا الغربية دولة واحدة يحكمها إمبراطور واحد وكنيسة واحدة.
سبب تسمية العصور المظلمة بهذا الاسم
يرجع سبب تسمية العصور الوسطى بالعصور المظلمة أن بعض المؤرخين يرون أنها مدة كانت مليئة بالبرابرة الذين يفتقرون إلى الثقافة والتعليم، وكذلك معظم حكامها من الطغاة المستبدين، ناهيك عن أن أكثر فئات الشعب هم من الفلاحين غير المتعلمين والمؤمنين بالخرافات والشعوذة، وكثير من المؤرخين يرون أن العصور المظلمة سادت الجزء الأول من العصور الوسطى مباشرة عقب سقوط الإمبراطورية الرومانية، وكان ذلك في القرنين الخامس والسادس، وهي فترة لم يرد عنها إلا القليل من المصادر المكتوبة لذلك بقيت كثير من المعلومات مجهولة وغير معلومة.[٧] لذلك ارتأى البعض تسمية العصور الوسطى بالعصور المظلمة عندما وجدوا أن الثقافة الرومانية منذ عام (500 / 700م) حضرت حالة شديدة من التراجع والفساد، إذ صارت الحضارة الجديدة لغرب أوروبا بدائية وغير متطورة بسبب سيادة الجهل والهمجية، أما الحياة السياسية والاجتماعية فهي أقرب ما تكون إلى الفوضى وعدم التنظيم بسبب ضعف السلطة الحكومية، وهو الأمر الذي دفع بالبعض إلى القول إنّ أوروبا في العصور الوسطى كانت عبارة عن مجتمع نامي وبدائي.
المراجع
mawdoo3.com
التصانيف
عصور وسطى التاريخ العصور التاريخية العلوم الاجتماعية