هناك حقيقة أولية عن طبيعة هذا الدين، و طريقة عمله في حياة البشر… حقيقة أولية بسيطة… و لكنها مع بساطتها كثيراً ما تنسى، أو لا تدرك ابتداء. فينشأ عن نسيانها أو عدم إدراكها خطاً جسيم في النظر إلى هذا الدين: حقيقته الذاتية و واقعه التاريخي. حاضره و مستقبله كذلك.
إن البعض ينتظر من هذا الدين – ما دام منزلاً من عند الله – أن يعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة غامضة الأسباب و دون أي اعتبار لطبيعة البشر و لطاقاتهم الفطرية، و لواقعم المادي، في أي مرحلة من مراحل نموهم، و في أي بيئة من بيئاتهم.
و حين لا يرون أنه يعمل بهذه الطريقة، و حين يرون أن الطاقة البشرية المحدودة، والواقع المادي للحياة الإنسانية، يتفاعلان معه، فيتأثران به – في فترات – تأثراً واضحاً، على حين أنهما في فترات أخرى يؤثران تأثيراً مضاداً لاتجاهه، فتقعد بالناس شهواتهم و أطماعهم، و ضعفهم و نقصهم، دون تلبية هتاف هذا الدين، أو الاتجاه معه في طريقه..
حين يرون هذا فإنهم يصابون بخيبة أمل لم يكونوا يتوقعوها – ما دام هذا الدين منزلاً من عند الله – أو يصابون بخلخلة في ثقتهم بجدية المنهج الديني و واقعيته، أو يصابون بالشك في دينهم اطلاقا.
و هذه السلسلة من الأخطاء تنشأ من خطاً واحد أساسي: هو عدم إدراك هذا الدين و طريقته، أو نسيان هذه الحقيقة الأولية البسيطة.
إن هذا الدين منهج إلهي للحياة البشرية. يتم تحقيقه في حياة البشر بجهد البشر أنفسهم في حدود طاقاتهم البشرية؛ و في حدود الواقع المادي حينما يتسلم مقاليدهم. و يسير بهم إلى نهاية الطريق في حدود طاقاتهم البشرية، و يقدر ما يبذلونه من هذه الطاقة.
و ميزته الأساسية: انه لا يغفل لحظة، في أي خطة و في أي خطوة عن فطرة الإنسان و حدود طاقاته ، و واقع حياته المادي أيضاً. و أنه – في الوقت ذاته – يبلغ به – كما تحقق فعلاً في بعض الفترات، و كما يمكن أن يتحقق دائماً كلما بذلت محاولة جادة – إلى ما لم يبلغه أي منهج آخر من صنع البشر على الإطلاق. و في يسر و راحة و طمأنينة و اعتدال.
و لكن الخطأ كله – كما تقدم – ينشأ من عدم ادراك طبيعة هذا الدين أو من نسيانها. و من انتظار الخوارق المجهولة الأسباب على يديه.. تلك الخوارق التي تبدل فطرة الإنسان، و لا تبالي طاقاته المحدودة، و لا تحفل واقعه المادي البيئي.


تأليف: سيد قطب

المراجع

ويكيبيديا الإخوان المسلمين

التصانيف

تصنيف :ثقافة