إذا أقدم الزوجان أحدهما أو كلاهما على اعتماد معاول الهدم لتسيير حياتهما الزوجية, فإنهما يقلبان حياتهما رأسا على عقب بإرادتهما الحرة, وحينئذ يكونا قد انحرفا عن جادة طريق الحياة الزوجية الوادعة الآمنة, مع ما في هذه الحالة من انجراف نحو تيار رهيب هادر؛ لا يعلم أحد نهايته.
الأستاذ الدكتور شحاتة محروس الباحث المتخصص في علم النفس التربوي والخبير في حل المشكلات الزوجية ينصحنا بالتمعن جيداً في تلك المعاول, وفي طريقة عملها في الحياة الزوجية.
ويخاطب الزوج قائلاً: " انظر إن كان لديك منها في بيتك شئ, أو إن كنت قد بدأت تستخدم منها واحدا, أو إن رأيت لها في حياتك شبيها, أو إن مارست قدرا منها في وقت ما, فهرول إلى الإنقاذ, ولا تستسلم لضياع أفضل ماتملك.. " فالدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة".
ويشرح د. شحاتة محروس المعاول المدمرة للحياة الزوجية وأولها " الإهانة " فيقول:
أهانه واستهان به وتهاون به: استخف به, ورجل فيه مهانة أي : فيه ذلٍ وضعف, واستهان به وتهاون به, استحقره؛ والإسم الهوان والمهانة, ومن ذلك قولهم:
ولا تُهن الفقير, علك أن تركع يومًا والدهر يرفعه
فالإهانة تفعل فعلها الخفي والخبيث في النفس البشرية دون أن يشعر بذلك المهين ولا المهان.
ويظن كلاهما أن الإهانة موقف ويمر, أو خطأ ويستدرك, ثم يتكرر الموقف وتتكرر الإهانات, فتحفر حفرا عميقة داخل نفس الشخص المهان, حتى يصل إلى مرحلة بعينها, لا يستطيع بعدها أن يغفر, ولا يمكنه بعدها أن يتحمل, فإذا أراد أن يعبر عما يشعر, أو أراد أن يرد الإهانات, أفلت منه الخيط الدقيق الذي كان يزن به التعاملات مع الطرف المهين, ولا يشعر إلا وهو يرد الصاع صاعين, وراح يخبط خبط عشواء لا يبقى على أحد ولا يذر.
وفي هذا قال الشاعر:
رأيت العيب يلصق بالمعالي لصوق الجبر في لفق الثياب
ويخفى في الدنئ فلا تراه كما يخفى السواد على الإهاب
ولكي يصل أحد الزوجين ـ أو كلاهما ـ إلى ذلك المستوى الأدنى من مستويات التعامل الإنساني مع شريك الحياة؛ فيهينه؛ لابد أن يكون قد فشل قبلها فشلا ذريعا في التعامل بالكلمة, والحوار, والإقناع, وفشل في الفهم المتبادل, وفشل في احتواء الطرف الآخر نفسيا, وفشل في التصرفات والمعاملات التي تليق بزوجين كريمين, وفشل في طريقة عرض المشكلات وطريقة حلها, ولم يجد إلا الإهانة طريقة للتعامل, وبئست الطريقة, وظن أن الإهانة حل من الحلول المطروحة في ساحة المعاملات الزوجية, كما ظن أنه سيصل إلى بغيته, وسيحقق هدفه من خلال إهانته للطرف الآخر, وظن أنه بإهانته إياه, سيرغمه على ما يريد, أما النتيجة الأولى الطبيعية المتوقعة لتكرار الإهانات, والتي سيفاجأ بها الطرف الباغي أو المهين؛ فهي الفشل في الوصول إلى جزء ـ ولو يسير ـ مما كان يبغى, وضياع كل شئ جميل, وفقد كل شعور كان يحتفظ به الطرف الأخر تجاهه, أما النتيجة الثانية والخطيرة؛ فهي أنه إذا اعتمد أحد الزوجين الإهانة سبيلا للتعامل مع الطرف الآخر؛ فإنه حتما سيعامل بنفس المعاملة السخيفة التي عامل بها زوجه, وسيشرب من نفس الكأس المرة التي سقى بها صاحبه,
وسيعاني من نفس المشاعر السيئة التي عانى منها رفيقه, إلا أن الفارق بينهما هو أن شريكه حينما يصل إلى مرحلة التشبع, والتي يقتنع فيها بأن الطريق الأخير للتعامل مع مثل هذا الزوج, هو عدم السكوت على الإهانة, وضرورة ردها, فإنه سيبدأ في صب الإهانات له صبًا, ويكيل له من السوء ما كان يكفيه جزء بسيط منه, ولن يتورع عن إهانته بأقذع الإهانات, ولا عن سبه بأقذر الألفاظ, كتلك التي كان يستخدمها معه أو أحط, ولن يتوانى عن إهانته أمام الناس, بصرف النظر عن مدى خطورة ذلك للطرفين, وبصرف النظر عما يقوله الناس عن خنوع الطرف المهان, وهو المهين سابقًا, وفظاظة الطرف المهين, وهو المهان سابقًا,
فإذا وصل الطرف المهان إلى تلك المرحلة؛ فلن يبقى فيها على شئ قيم, ولن يحرص على شعور جميل, ولن يندم على فعل قبيح, ولن يستوقفه أحد مهما علا شأنه, ولن تحده في هذه المرحلة حدود, فلن يحتفظ فيها بود, ولن يبقى فيها على عشرة وتراه يفرط ببساطة في كل غال ونفيس.
أفرأيت نتيجة استخدام الإهانة كأسلوب للتعامل مع الطرف الآخر في الحياة الزوجية؟
ويضيف د. شحاتة محروس: لا تصدر الإهانة ـ بصفة عامة ـ إلا من إنسان سيئ الأدب, ولا يتعمدها إلا نذل, ليس عنده مروءه, ولم يتحل بخلق كريم, ولا يصر على توجيهها للآخرين إلا من لم يُرَب على دين قويم.
فإذا كانت الإهانة موجهة إلى الزوجة كان الذي وجهها أكثر نذالة وأقل مروءه, أما إذا كانت موجهة من امرأة إلى زوجها, فهي امرأة متبجحة, يخشى عليها الوقوع في الإثم, أو يخشى عليها من تبجحها أن تزل، أو يخشى عليها من ذهاب حيائها أن تنحرف, فقد جُبلت المرأة على حياء فطري, لكنها إذا زنت ذهب الحياء كله, أو أن تكون مريضة بمرض نفسي, أما الزوجة الطيبة والطبيعية فهي التي تقول لزوجها كل كلام طيب يرضيه, وإذا أغضبته تقول له " لا يغمض لي جفن حتى ترضى".
وتشمل الإهانة المن والتعيير للطرف الآخر بالجميل، أو التحقير لشخصه، أو الحط من شأنه، أو التقليل من أهميته وأهمية ما يقول، أو النيل من كرامته، أو تسخيف أفكاره، أو احتقار آرائه، أو توجيه ألفاظاً نابية إليه، أو اتهامه بتهم تنال من شرفه، ولا يمكن أن يظن عاقل أن الإهانة في أحد أشكالها السابقة تمثل نصيحة أو نقداً.
والتعامل بين الزوجين عن طريق هذا المعول المدمر ـ كما يشرح د. شحاتة محروس ـ يسقط الاحترام بينهما، ويصبح كل منهما مهاناً من الآخر، ويصبح كل منهما هيناً في نظر الآخر.
أسباب الإهانة:
قد يكون السبب في توجيه الإهانات للطرف الآخر كامناً في كل ما يأتي
أو بعضه:
ـ تعمد أحد الزوجين إثارة القلاقل مع أهل الآخر، وافتعال المشكلات معهم، وقد يخطىء أحد الزوجين فيوجه لزوجه بعض الإهانات، فيستجيب لها الطرف الآخر بدون حكمة فيقع تبادل الإهانة.
ـ تناول أحد الزوجين أهل الآخر أو أمه وأبيه بكلام لا يصح أن يقال، كأن يتناولهم في أعراضهم بشكل يهيج مشاعر الطرف الآخر ضده، مما يدفع الطرف الأول إلى الرد، ومن هنا يبدأ الطرفان تبادل الإهانات بينهما.
ـ استخدام المزاح السخيف بين الزوجين أمام الناس بشكل مستمر أو استخدامه بلا تحفظ مما يدفع أحدهما إلى إهانة الآخر وجرح كرامته.
ـ قد يعقد الزوجان مقارنات سيئة بينهما، خصوصاً عند التركيز على الأمور التي تتميز فيها الزوجة عن زوجها كالحسب أو العلم أو المال أو المنصب، مما يثير غيرة الزوج فيندفع لإهانة زوجته ليكسر استعلاءها وقد تستفزها إهانته فتردها عليه.
ـ الشكوى المستمرة، والتذمر الدائم من الحال والمعيشة وسلوك الأبناء ومشكلات الجيران ومضايقات العمل والأهل، مما يوغر صدر الزوج وقد يدفعه ذلك إلى توجيه الإهانة لزوجته فتضطر إلى الرد عليه تحت زيادة الضغط النفسي الواقع عليها.
ـ الإهمال بصفة عامة، وإهمال المظهر الشخصي بصفة خاصة، ونقص الغهتمام بالذات، والظهور أمام الزوج بمنظر منفر، وبخاصة فيما يتعلق بالنظافة الشخصية، أو نظافة الأولاد، أو نظافة البيت، أو نظافة الطعام.. كل ذلك يشكل عند بعض الناس مشكلة كبيرة لا يستطيع التغاضي عنها وبالتالي يقوم بتوجيه اللوم والتقريع إلى الطرف المقصر.
ـ محاولة جذب اهتمام الزوج ولفت انتباهه بطريقة خاطئة، كأن يقوم بادعاء المرض، أو الشكوى من آلام مبرحة، مما يزيد من هموم الزوج ويعتبر أن زوجه عبئاً ثقيلاً عليه فيتمنى التخلص منه حتى لو كان يحبه.
والزوج دائماً يريد زوجته قوية سليمة معافاة من الأمراض والزوجة تحب دائماً أن يكون رجلها مهاباً قوياً وتنفر من الضعيف المريض كثير الشكوى مثل النساء.
المراجع
موسوعه المستشار
التصانيف
تصنيف :الحياة