جميعنا نحاول بطريقة أو بأخرى أن نمارس نمط حياة صحي على أمل أن نتمكن من تجنب الأمراض الخطيرة كأمراض القلب والسكري وبعض أشكال السرطان. لكن ماذا تفعل إذا كانت أمراض القلب تسري في عائلتك؟ ماذا لو كان أحد والديك أو أجدادك مصاباً بالسكري أو السرطان؟ وهل يمكن عندها لاتباع نمط حياة صحي أن يحدث فرقاً أو يغير شيئاً؟ في الواقع يرى الخبراء أن القناعة العامة الآن تتمثل في أن صحة المرء هي نتاج كل من الجينات التي يرثها والخيارات اليومية التي يقوم بها. ولا شك أن بعض الجينات تقود حتماً إلى الإصابة بالأمراض، إلا أنه عموماً وبالنسبة لمعظم الناس فإن اتباع نمط حياة صحي ممكن أن يتغلب أي مخاطر صحية موروثة. وحتى لو كان مرض معين يسري في عائلتك فثمة الكثير مما يمكنك فعله لتجنبه. الأمراض غير الشائعة؛ عندما تحتّم المورّثات الإصابة بالمرض في حالات نادرة يقود جين موروث واحد إلى الإصابة الحتمية بمرض خطير. ومن أبرز الأمثلة داء هنتينغتون (Huntington's disease)، فهذا المرض الذي يؤدي إلى تدمير أجزاء من الدماغ ويسبب العجز يتم تفعيله من خلال مورِّث واحد. ومن الأمراض الأخرى التي يتم توارثها بالجينات أيضاً الهيموفيليا أو داء الناعور، والذي تحول الإصابة به دون تخثر الدم بصورة طبيعية، وكذلك داء فقر الدم المنجلي (sickle cell anemia) والذي يؤدي إلى تكون خلايا دم حمراء ذات شكل هلالي أومنجلي مما يعيق حركة تدفق الدم ويسبب آلاماً شديدة. أبرز الأمراض المزمنة؛ تضافر العوامل ما بين المورّثات ونمط الحياة بالنسبة لمعظم الأمراض المزمنة، يلعب كل من جيناتك ونمط الحياة الذي تتبعه دوراً في الإصابة بها. ومن هذه الأمراض: السرطان: حوالي 25% من حالات الإصابة بسرطان القولون تحدث لدى أشخاص لديهم تاريخ عائلي من الإصابة بهذا المرض. أما باقي الأشخاص الذين يصابون بسرطان القولون فلا يوجد عامل موروث لديهم وإنما يكون لنمط حياتهم دور في الإصابة به. وتشير الدراسات إلى أنه بإمكان معظمنا التقليل إلى حد كبير من فرصة الإصابة بسرطان القولون من خلال التقليل من تناول اللحوم الحمراء والمصنّعة وممارسة الرياضة والحفاظ على وزن صحي والتخفيف من شرب الكحول أو الامتناع عنه كلياً. أما بقية أنواع السرطان فهي أكثر تأثراً بالخيارات التي نقوم بها في حياتنا اليومية، ويعد سرطان الرئة مثالاً جيداً على ذلك، وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى الإحصاءات التالية: · يقول الخبراء أن ما بين 80 و90% من سرطانات الرئة سببها التدخين. · الرجال المدخنون هم أكثر عرضة بـ23 مرة للإصابة بسرطان الرئة من غيرهم ممن لا يدخنون. · النساء المدخنات هن أكثر عرضة بـ13 مرة للإصابة بسرطان الرئة من غير المدخنات. · التدخين يزيد من فرصة إصابتك بأمراض القلب ما بين مرتين إلى 4 مرات. وكلما طالت فترة التدخين وزاد عدد السجائر التي تدخنها زادت احتمالية الإصابة. ومع ذلك فإن الجينات تلعب دوراً هنا أيضاً فالبعض ممن يصابون بسرطان الرئة لم يدخنوا قط، والبعض الآخر بالمقابل يدخنون لكن لا يصابون بسرطان الرئة. إلا أن عامل الخطورة الأكبر حتى الآن هو التدخين. أمراض القلب: بالنسبة لأمراض القلب فهناك حوالي 100 شكل مختلف من الجينات التي تلعب دوراً صغيراً في احتمالية إصابة شخص ما بها، إلا أن العامل الأكبر هو نمط الحياة، حيث تشير التحليلات لإحدى الدراسات التي تابعت 3 أجيال من عائلة واحدة ما يلي: · يعزى إلى التاريخ المرضي للعائلة حوالي 17% فقط من خطورة إصابة الشخص بأمراض القلب. · يعتبر نمط الحياة سبباً فيما نسبته 83% من خطورة الإصابة بأمراض القلب. السكري: داء السكري هو أيضاً من الأمراض التي تؤثر في احتمالية الإصابة بها كل من الجينات ونمط الحياة، حيث أن 30 إلى 70% من خطورة الإصابة بداء السكري من النوع الثاني تتشكّل من خلال الجينات الموروثة. من جهة أخرى فإن تضاعف أعداد المصابين بداء السكري في العقود الأخيرة يعد مؤشراً على أن الجينات ليست وحدها المسؤولة، فبينما لم تتغير الجينات بطبيعة الحال إلا أن نمط الحياة السائد قد تغيّر، فبات يتسم بالخمول وقلة الحركة في مقابل الإفراط في الأطعمة العالية بالسعرات الحرارية مما أدى إلى انتشار وباء البدانة، وهو الأمر الذي بدوره يساعد في تصاعد حالات الإصابة بالسكري. ويشار هنا إلى الدور الذي تلعبه إضافة السكر إلى العديد من الأطعمة والمشروبات في تفاقم المشكلة. نمط حياة صحي للتغلب على الاحتمالات الوراثية حتى لو كانت أمراض القلب أو السكري تسري في عائلتك تذكر أنه بإمكانك تخفيض خطورة إصابتك بها إلى حد كبير. في الواقع إن القيام بخيارات صحية في الحياة من شأنه حتى أن يتغلب على فرص إصابتك بمرض متوارث جينياً. ولنأخذ على سبيل المثال أحد الجينات الوراثية المرتبط بشدة بأمراض القلب ويدعى 9p21، حيث يعمل هذا الجين على زيادة احتمالية إصابتك بنوبة قلبية بمعدل 20%. إلا أن الأشخاص الذين يحملون هذا الجين ويتبعون نظاماً غذائياً غنياً بالفواكه والخضراوات يستطيعون أن يخفضوا احتمالية إصابتهم إلى معدلها الطبيعي، وفق ما أظهرته الأبحاث مؤخراً. وبالمقابل تبين أن الأشخاص الذين يحملون هذا الجين ولا يعتنون بنوعية النظام الغذائي الخاص بهم لديهم ضعف الاحتمالية الطبيعية للإصابة بالجلطة أو النوبة القلبية. خياراتك اليوم بالغة التأثير في المستقبل كلما سارعت في تبني نمط حياة صحي طبعاً كان ذلك أفضل، حيث تناولت إحدى الدراسات العوامل المكونة لنمط حياة أشخاص في الـ25 من العمر ثم تحققت منها مرة أخرى بعد مرور 20 عاماً، وتبين أن الأشخاص الذين حافظوا على نمط حياة صحي حتى بلوغهم منتصف العمر كانوا أقل عرضةً من غيرهم بكثير لامتلاك عوامل الخطورة كارتفاع نسبة الكولسترول وسوء التحكم بسكر الدم. وأهمية ذلك تكمن في أن من لا يعانون من أي من عوامل الخطورة هذه عند بلوغ سن الـ45 إنما يضمنون الوقاية من الإصابة المبكرة بأمراض القلب والسكتات الدماغية، وهنا يقول الباحثون عن هؤلاء أن احتمالية إصابتهم بأمراض القلب أو السكتة الدماغية حتى عند بلوغهم الـ80 من العمر هي 1.4% فقط. لم يفت الأوان للبدء حتى الأشخاص الذين يبدؤون بالقيام بخيارات صحية في سن متأخرة كالعقد السادس أو السابع من العمر يشهدون انخفاضاً ملموساً في معدل الخطورة وفقاً للأبحاث. فبممارسة الرياضة واتباع نظام غذائي صحي يمكن لكبار السن التقليل من خطورة إصابتهم بالنوبات القلبية بنسبة قد تصل إلى 45%، كما يساعد اتباع نظام قليل السعرات الحرارية والتمرن بانتظام كبار السن على تخفيض معدل خطورة الإصابة بالسرطان إلى حوالي النصف. في الختام فإن الجينات لها دورها بلا شك في صحتنا لذا من المهم أن نكون على اطلاع بالتاريخ المرضي لعائلاتنا حتى ندرك معدل الخطورة الخاص بكل منا، إلا أنه بالإمكان القول اليوم أن معظم الأمراض المزمنة التي تقض مضاجعنا من أمراض القلب إلى السكري يمكن لنمط حياتنا أن يتغلب على فرصة إصابتنا بها وراثياً، لذا تذكر أن المحافظة على الصحة هو أمر متعلق بالخيارات التي تقوم بها.

المراجع

www.sehetna.com.jo/pages/GenesVsLifestyle.aspx موسوعة بوابة صحتنا

التصانيف

صحة  حياة  رعاية صحية