الباركنسونية وداء باركنسون ؟
د. احمد شهاب
سمي هذا المرض باسم الطبيب الانجليزي باركنسوني وهو أول طبيب قام بوصفه قبل مائتي عام وأطلق عليه اسم الشلل الرعاشي shaking palsy وهو اسم مرعب للمريض والطبيب على حد سواء وبالنسبة للأعراض المتوقعة في المرض فهو اسم غير دقيق حيث أن المريض لا يعاني من الشلل من بطء في الحركة مع رعشة أو الرعاش.
يتميز المرض بوصفه الأصيل بحصول الأعراض التالية:
1- الرعشة
2- Tremor البطء الحركي
3- Bradykinesia التصلب Rigidity،
وهذه الأعراض الثلاثة شكلت الأساس والعلامات المرضية لتشخيص هذا المرض لمدة طويلة من الزمن دون معرفة الأسباب الفسيولوجية والمرضية المؤدية اليه، إلى أن تم التعرف على حصول المرض بعد حصول موجات من التهاب الدماغ النومي Encephalitis lewthargica المتسبب من ذبابة تسي تسي وحصول هذه الأعراض في بعض المرضى الذين تم شفاؤهم من هذا المرض وتم عمل الدراسات الكثيرة التي أشارت إلى إصابة الدماغ بشكل عام والعقد القاعدية بشكل خاص ثم أشارت الدراسات النسيجية إلى إصابة النواة الملونة في الدماغ الأوسط في الجزء العلوي من جذع الدماغ وهي النواة المسماة Substantia Nigra وهي كذلك لأنها تحتوي على مادة ملونة باللون البني الغامق وتسمى Neuromelanin حيث تشبه المادة الملونة في الجلد ولكنها تختلف عنها في الوظيفة وهي مميزة في الجهاز العصبي وتقوم بعمل مادة الدوبامين الضرورية لمرونة ودقة الحركة في جسم الإنسان وغياب أو اضطراب عملها يؤدي إلى صعوبة في الحركة والبطء وتصلب في الأطراف والرعاش المميز للمريض.
وبمرور الزمن تمت دراسة الأعراض السريرية بشكل أفضل وتم معرفة أسباب أخرى كثيرة للمرض منها تصلب الشرايين وبعض الغازات السامة كأول أكسيد الكربون وغازات الكبريت والسموم . بقي الجزء الأكبر من الحالات المرضية دون سبب واضح وهذه تحصل في المرضى عادة بعد عمر الستين عاماً. وتم التعرف أيضاً على حالات تحصل في صغار السن وهي غالباً وراثية أو عائلية ولكنها قليلة الحصول. وعلى العموم فهذا المرض غير وراثي ويحتمل وجوده كمرض عائلي في 5% من المرضى، أما الحالات الوراثية في صغار السن فقد تسبب مشكلة خاصة في بعض المناطق ويجب دراستها وراثياً والتعرف بدراسات جينية على المرضى وحاملي المرض من أجل الحد من انتشار هذا النوع من المرض وعلاجه.
أثار هذا المرض اهتمام الباحثين والدارسين واجريت عليه الدراسات الكبيرة من النواحي الفسيولوجية والكيميائية والنسيجية والسريرية ، وقد أشارت الدراسات إلى حصول أعراض كثيرة في المرض كإصابة الأعصاب اللإرادية واضطراب القدرات العقلية والإضرابات البولية، والإضرابات النفسية، وتم تمييز نوعين رئيسيين نوع يتميز بوجود الرعاش والأعراض الأخرى والنوع الآخر يتميز بوجود البطء الحركي والأعراض الأخرى دون الرعاش. وتم أيضاً وصف متلازمة جديدة تتميز بإضطراب الأعصاب اللإرادية بشكل رئيسي مع حصول الأعراض الأخرى Shy-Drager Syndrome تمتاز بهبوط شديد في الضغط واضطرابات الأعصاب اللارادية وغيرها ومتلازمة أخرى Steel-Richardson يتميز بأعراض الباركنسون مع إصابة الجهاز العصبي الحركي (UMN) والقدرات العقلية وغيرها من الأعراض. ويشار الى ان اضراب القدرات العقلية واضطراب الأعصاب اللارادية يرافق مرض باركنسون الأصلي في كثير من الحالات ولكنها أقل شدة عادة وتكون استجابة هؤلاء المرضى والمتلازميات للعلاج أصعب.
أما الدراسات الفسيولوجية والكيماوية فقد أسهمت بشكل كبير في معرفة العوامل الفسيولوجية والكيماوية التي تؤدي إلى حصول الأعراض المذكورة وتوافقت مع الدراسات النسيجية في فهم الضمور الشديد الذي يصيب النواة الملونة المذكورة في الدماغ الأوسط حيث تبين ضمورها والتليف وخروج المادة الملونة آنفة الذكر من الخلايا دون مرورها بالوصلات العصبية المتصلة مع النويات القاعدية الخاصة الـ Globus Pallidus وأثرها على الوصلات العصبية الأخرى في النويات القاعدية وأثرها بالتالي على القشرة الدماغية.
بعد ذلك تمت معرفـــــــــــة الــــــــــــــــــدور الهام الذي تقــــــــــــــوم به نواة ما تحـــــــت الســـــــــــــــرير Subthalamic nucleus وتم اكتشاف عدة دوائر هامة تقوم بتنظيم الحركة وتنفيذها بمرونة ودقة مع التوازن الدقيق للحركات البطيئة، ولذا فالدور الذي تقوم به هذه النويات المذكورة مع وصلاتها العصبية التي تستخدم عدة أنواع من النواقل العصبية مثل الدوبامين والاستيل كولين والجابا GABA وبشكل أقل السيروتونين ونورادرينالين مع الاتصال بالقشرة الدماغية والدوائر الوظيفية الأخرى وهذا يشكل الأسس الحديثة للوظائف الدماغية حيث تقوم به دوائر وظيفية متنوعة ومختلفة وهي غاية في التعقيد وتدل على إبداع الهي كبير، ومما يجدر ذكره ، أن لكل هذه المواد مستقبلات خاصة تتفاعل معها لتؤدي الغرض، وفي حالة المرض المذكور تم وصف خمسة مستقبلات للدوبامين في النويات القاعدية تقوم بتنظيم الحركة على هذا المستوى. عدا عن المستقبلات الأخرى التي تتفاعل معها المواد الكيماوية في الوصلات العصبية الأخرى، لذا فعلاج المرض غاية في التعقيد ويجب أن يعتمد على أسس عملية سريرية وفسيولوجية وكيماوية ونسيجية من أجل تخفيف حدة المرض وتحسن الأعراض والعلامات السريرية وتجنب المضاعفات المتوقعة من العلاج.