y.abdul@alanba.com.kw    

  يا الله.. هل لكم أن تتخيلوا هذه الدنيا من غير حب؟

يا الله.. كلمة من حرفين تأسر الإنسان، أي إنسان، وإن تملكته فهي دواء للمحزون والمكلوم والمظلوم والمعاق والسوي والجريح والمريض والأسير.. هي دواء كل بني آدم.. ما السر؟

أيها الأعزاء من القراء، دعوني آخذكم في استراحة بعيدا عن الكره والعداوات والزعل والكآبة إلى عالم فسيح من الحب الراقي الجميل.

يا الله.. كم يتعب هذا الإنسان وكم يشقى كل البشر حتى يحصلوا على كلمة حب، وهي من الروائع التي لا يعلمها إلا الله، لأن هذا الحب يسير في سناه كل طالبه، وهو مشعل كل راغب ذاهب إليه.

أعلم يقينا أن ملايين البشر يسري الحب في دمائهم عبر الأوردة، وهو يحول نقاشهم إلى هناء، ومرهم إلى حلو، وكدرهم إلى صفاء، وسقمهم إلى نعمة، وألمهم إلى شفاء، وليلهم إلى نهار وظلامهم إلى نور، يذيب الجمر ويلين الحديد، خاصة ان كان حب سمو وترفع وعلو، حبا عذريا شفافا لا غبار عليه.

إلى كل من يبحثون عن الحب الحقيقي، دعوني أعرّفه لكم بحكم تجربتي المتواضعة، وما قرأت عنه وما شاهدت من هذا الحب وأصله ومشتقاته وأشعاره وأقواله وانواعه.

في هذه الاستراحة أود بالفعل أن أجعل القارئ يحلق معي في سماء وأفق هذا الحب الراقي الذي يبتسم له الثغر ويشفى به الفؤاد ويسري في عروقكم حبا وحياة.

لم هذا الحب معنا من المهد إلى اللحد؟

ولماذا هو أشكال وألوان منه الحلال ومنه المحرم؟

الحب يجعل الحياة ذات طعم ولون ورائحة، والكره عكسه تماما، فالحب وردة والكره شوكة، والحب هو الدواء الإلهي لكل شيء، فالعداوة في أشد مواضعها يطفئها الحب.

الحب هو المبرر لنا كي نحيا سعداء في هذا الكون الفسيح بكل فئات البشر واللغات وتسابيح المحبين وزفرات الثكالى فاقدي هذا الحب.

في مشاهد الحياة بكل حلوها ومرها، هناك محطة وحيدة يقف عندها الجميع دون استثناء، وهي المسافة المشتركة للحب بكل حلاوته ودموعه وضحكاته وأناته وآهاته، باب يلج فيه الجميع، كل منا يحاول الكسب المشروع وغير المشروع، وجبي الغنائم دون قواعد، والأفضل أن تكون بقواعد سنها الله- سبحانه وتعالى- لنا، لأن باب هذا الحلال فيه مشاعر نبيلة وقواعد شرعية أصيلة وتواد وتراحم وفطرة.

أوليس هذا الخلق من البشر رسالتهم عمارة الأرض بكل الحب؟

إذن لماذا هي الحروب؟

العيب ليس في الحب، بل في البشر ذوي الاطماع والقلوب السوداء الملطخة بالدماء.

إنني اليوم أكتب عن الحب لكل جيلي وكل أولئك الشباب «الحلوين» الذين هم في عمر الزهور، وأقول لكل منهم علنا وهمسا: رتب أولويات الحب في حياتك، وأقدم بشجاعة على ممارسة الحب العذري الخالي من الدنيا، وما أنت أهل له، فليس والله هناك أسهل من الحب، ومع هذا كله ليس هناك أصعب منه، وتقول لي: كيف؟

نعم، عزيزي القارئ الكريم: الحب هو الضمان اليوم لمواجهة كل أعباء الحياة من مشقة وتعب ونصب وشقاء وألم، والحب وحده قادر على أن يزيح عن كاهلك كل هذه المشقات.

الله سبحانه وتعالى أكرمنا ووضع في قلوبنا شيئا جميلا اسمه الحب، يكبر في داخلنا وله علاقة بكل من يحيط بنا، فأنت تحب الوالدين ووطنك وقادتك واسرتك ومجتمعك، إذ ن الحب هو الطريق المعبد لكل احوال التنمية المنشودة، فلا رقي في أي مجتمع ما لم يسده الحب

وليس هناك اسرة متماسكة من دون هذا الحب، بل ليست هناك حياة ما لم يكن في قلبك الحب.

إذن منطق الحب السائد ان تحب بتوازن حتى لا تصل إلى الزلازل.

الاستراحة اليوم نوعية في توجهها، فهي عن الممنوع المسموح «الحب».

واسمحوا لي قرائي الاعزاء أن آخذكم في هذا السبت بعيدا عن اليهود إلى مساحات الحب وروعته ومشاعره وسطوره.

من أجل الذين أحبهم أقول وأكتب: لولا وجود الحب في حياتنا لبحثنا عن الحب لأنه شجرة الفرح ونور الحياة والشيء الذي لا يموت

الحب لم يكن فقط من خيال الشعراء، لا بل مارسته البشرية بكل ألوانها وأجناسها ولغاتها مع ما هو حب حقيقي أو هوى عابر.

اليوم استراحتي لكم عن الحب، وعلى بركة الله نبدأ:

ما هو الحب؟

أكيد أسمع وأقرأ وأنتم معي أن الحب إعجاب وانجذاب نحو شخص معين، وكما قال العلماء: هناك هرمون يفرز في حالة الحب اسمه «الاوكسيتوسين»، بـ «المفتشر» والمفضوح «هرمون المحبين»، وطبعا يزيد أثناء تواجد الطرفين إن كان حلالا أو حراما

وعربنا أسموه «الغرام»، ولنا فيه قصص وعبر من امرئ القيس الى عنترة بن شداد الى قيس بن الملوح أو قيس بن ذريح.

إخواننا اللغويون يفسرون الغرام بالتعلق وهو تعلق لا يستطاع التخلص منه، ويعني ايضا «العذاب الدائم الملازم»، وكلنا قرأنا القرآن الكريم (إن عذابها كان غراما)، نعوذ بالله من النار، والمغرم: هو المولع بالشيء لا يصبر على مفارقته، وأغرم بالشيء: أولع به فهو مغرم.

وقيل: انه مأخوذ من الحُباب، وهو الذي يعلو الماء عند المطر الشديد، لأنهم هنا يشبهون غليان القلب وثوراته ولوعاته عند الاضطرام والهياج والاهتياج الى لقاء المحبوب بهذا التشبيه، وقيل ايضا: انه من الحُب جمع حُبة وهي لباب الشيء وأصله لأن القلب في الإنسان أصل كيانه وحياته فهو لبه ومكمنه.

ويبقى الحب موجودا بأكثر من تعريف وتصريف ومكانه القلب لا العقل، وفي الحديث الذي رواه الإمام احمد تصديق ذلك، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم «حبك الشيء يعمي ويصم».

أنواعه

قد يسألني سائل «ملقوف»: وهل للحب أنواع؟

نعم، وأنواعه كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

٭ الحب الإلهي.

٭ الحب الأخوي.

٭ الحب العذري.

٭ حب النفس.

٭ الحب الأفلاطوني.

٭ الحب الرومانسي.

٭ الحب الجنسي.

٭ الحب المادي.

٭ الحب العفيف.

٭ حب غير متبادل (من طرف واحد، وهو أقسى أنواع الحب).

وهناك حب جديد للأسف بدأ ينتشر هو:

٭ حب الدينار.

٭ حب الفساد.

٭ حب الرشوة.

٭ حب الحراك السياسي.

٭ حب مخالفة غرامة «الجوازات»

٭ حب الكوكسه «الشقلبة»، وهذه براءة اختراع لصديق نجح في تطبيقه.

وتتعدد أنواع الحب بين عذري وعاطفي ومصلحي ومادي، ويبقى ما دوّن عن الحب شعرا أسمى وأروع وأكمل وأجمل.. اقرأوا وتمتعوا واستمتعوا:

خيالك في عيني وذكراك في فمي

ونجواك في قلبي فأين تغيب؟

مسميات الحب

للحب أسماء كثيرة، منها ما هو معروف مثل المحبة والهوى والغرام والعشق.. وربما هناك أسماء جديدة في الطريق غير ان المخلد هو ما كتبه المحبون في أشعارهم، ودُوّن في بطون الكتب، وهو يعبر بصدق عن عاطفة الرجل للمرأة والعكس صحيح، وأعرض لكم أسماء الحب ومراحله، أجارنا الله منها، لأنه كلما ارتقى صار صعبا، وهو داء ليس منه بد، وعددوا معي أسماءه ومراحله:

الهوى

يقال إنه ميل النفس، وفعلُهُ: هَوِي، يهوى، هَوىً، وأما: هَوَى يَهوي فهو للسقوط، ومصدره الهُويّ. وأكثر ما يستعمل الهَوَى في الحبِّ المذموم، كما في قول القرآن: (وأمَا من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإنَّ الجَنَّة هي المأوى).

وقد يستعمل في الحب الممدوح استعمالا مقيدا، منه قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «لا يؤْمن أحدكم حتى يكون هَواهُ تبعاً لما جئتُ بِه» (صححه النووي).

الصَّبْوة

وهي الميل إلى الجهل، فقد جاء في القرآن الكريم على لسان «يوسف»:

(وإلا تَصرفْ عني كيدَهن أصبُ إليهنَّ وأكُن من الجاهلين).

والصّبوة غير الصّبابة التي تعني شدة العشق، ومنها قول الشاعر:

تشكّى المحبون الصّبابة لَيْتني

               تحملت ما يلقون من بينهم وحدي

الشغف

وهو مأخوذ من الشّغاف الذي هو غلاف القلب، ومنه ما جاء في القرآن واصفا حال امرأة العزيز في تعلقها بيوسف: (قد شغفها حُباً)، قال «ابن عباس» ما في ذلك: دخل حُبه تحت شغاف قلبها.

الوجد

هو الحب الذي تتبعه مشقة في النفس والتفكير فيمن يحبه والحزن دائما.

الكَلَفُ

هو شدة التعلق والولع، وأصل اللفظ من المشقة، قال الشاعر:

فتعلمي أن قد كلفْتُ بحبكم

               ثم اصنعي ما شئت عن علم

العشق

العشق فرط الحب، وقيل هو عجب المحب بالمحبوب يكون في عفاف الحب ودعارته، قال الفراء: العشق نبت لزج، وسُمّي العشق الذي يكون في الإنسان لِلصُوقهِ بالقلب.

النجوى

الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حُزْن.

الشوق

هو سفر القلب إلى المحبوب، وارتحال عواطفه ومشاعره، وقد جاء هذا الاسم في حديث نبوي إذ روي عن «عمار بن ياسر» أنه صلى صلاة فأوجز فيها، فقيل له: أوجزت يا «أبا اليقظان» فقال: لقد دعوت بدعوات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهن: «اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك بَرد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مُضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زيِّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هُداة مهتدين».

وقال بعض العارفين : «لما علم الله شوق المحبين إلى لقائه، ضرب لهم موعدا للقاء تسكن به قلوبهم».

الوصب

وهو ألم الحب ومرضه، لأن أصل الوصب المرض، وفي الحديث الصحيح: «لا يصيب المؤمن من همّ ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه».

وقد تدخل صفة الديمومة على المعنى، وذكر القرآن:

(ولهم عذابٌ واصبٌ ـ الصافات: 9)

وقال سبحانه:

(وله الدين واصباً ـ النحل 52).

الاستكانة

وهي من اللوازم والأحكام والمتعلقات، وليست اسما مختصا، ومعناها على الحقيقة : الخضوع، وذكر القرآن الاستكانة بقوله: (فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ـ المؤمنون: 76)، وقال: (فما وَهَنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضَعفوا وما استكانوا ـ آل عمران: 146). وكأن المحب خضع بكليته إلى محبوبته، واستسلم بجوارحه وعواطفه، واستكان إليه.

الوُدّ

وهو خالص الحب وألطفه وأرقّه، وتتلازم فيه عاطفة الرأفة والرحمة، يقول الله: (وهو الغفور الودود ـ البروج: 14)، ويقول سبحانه: (إن ربي رحيم ودود ـ هود: 90).

الخُلّة

وهي توحيد المحبة، وهي رتبة أو مقام لا يقبل المشاركة، ولهذا اختص بها في مطلق الوجود الخليلان «إبراهيم» و«محمد» عليهما السلام، ولقد ذكر القرآن ذلك في قولهِ تعالى:

(واتَخَذَ اللهُ إبراهيم خليلاً ـ النساء: 125)

وصح عن النبي محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم انه قال: «لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن»، وقيل: لما كانت الخلة مرتبة لا تقبل المشاركة امتحن الله سبحانه نبيه «إبراهيم» الخليل بذبح ولده لما أخذ شعبة من قلبه، فأراد سبحانه أن يخلّص تلك الشعبة ولا تكون لغيره، فامتحنه بذبح ولده، فلما أسلما لأمر الله، وقدم إبراهيم محبة الله على محبة الولد، خلص مقام الخلة وصفا من كل شائبة، فدي الولدُ بالذبح. ومن ألطف ما قيل في تحقيق الخلة: «انها سميت كذلك لتخللها جميع اجزاء الروح وتداخلها فيها».

قال الشاعر:

قد تخللت مسلك الروح مني

               وبذا سُمّي الخليل خليلا

الغرام

وهو الحب اللازم، ونقصد باللازم التحمل، يقال: رجل مغرم، أي ملزم بالدين، قال «كُثيِّر عَزّة».

قضى كل ذي دين فوفى غريمه

               و«عزة» ممطول مُعنّى غريمها

ومن المادة نفسها قول الله- عز وجل- في القرآن الكريم عن جهنم: (إن عذابها كان غراما)، اي لازما دائما.

الهيام

وهو جنون العشق، وأصله داء يأخذ الابل فتهيم لا ترعى، والهيم (بكسر الهاء) الابل العطاش، فكأن العاشق المستهام قد استبد به العطش الى محبوبه، فهام على وجهه لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، وانعكس ذلك على كيانه النفسي والعصبي فأضحى كالمجنون، أو كاد يجن فعلا على حد قول شوقي:

ويقول تكاد تُجنُّ به

               فأقول وأوشك أعبُده

مولاي وروحي في يده

               قد ضيّعها سلِمت يده

الحب في الأديان

من يقرأ الكتب والمؤلفات والمراجع يجد للحب وجودا في النصوص في كل الأديان المقدسة، الإسلام واليهودية والمسيحية.

ففي الإسلام جاء في الحديث الشريف: «لم ير للمتحابين مثل التزوج» وجاء بلفظ آخر «التزويج» ولفظ «النكاح».

وجاء في حديث شريف آخر: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف». وفي المسيحية عندما تقرأ النصوص تجد ان كل طرف (الرجل والمرأة) عليه ان يحب شريكه كنفسه، ولأن الزواج رباط روحي يتساوى فيه الرجل مع المرأة فيكون كل منهما مساويا ومكملا للآخر، والمفروض ان تدوم هذه الرابطة حتى الموت «إذن ليسا بعدُ اثنين بل جسد واحد، فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان».

قالوا عن الحب

هناك أقوال كثيرة جدا هنا وهناك، كتبها أموات وأحياء حول هذا «الحب»، وقد اخترت لكم هذه السطور:

- قد تنمو الصداقة فتصبح حبا، ولكن الحب لا يتراجع ليصبح صداقة.

- الأشرار يطيعون بدافع الخوف، والطيبون يطيعون بدافع الحب.

-لا تقل احبها لكذا، بل أحبها رغم كذا وكذا وكذا.

- «اجعل قلبك كالقبر يدخله واحد، ولا تجعله كالبئر يشرب منها من يشاء».. هذا نحيس

- من أحبك لأمر ما كرهك لمجرد انتهائه.

- قد يبيع الإنسان شيئا قد شراه، ولكنه لا يبيع قلبا قد هواه.


المراجع

alanba.com.kw

التصانيف

علم النفس  تصنيف :مشاعر  مجتمع   العلوم الاجتماعية