نصل الى الفيلسوف الكبير (رينيه ديكارت).. أبي الفلسفة الحديثة صاحب نظرية «الشك المنهجي» والذي يعرف في هذا السياق بمقولته: «أنا أفكر» اذن أنا موجود».

ولد هذا الفيلسوف الفرنسي عام م1596 في اسرة احد النبلاء، وتلقى علومه في مدرسة «لافليش» للآباء اليسوعيين بمدينة (أنجو)، وكانت من اشهر مدارس اوروبا قاطبة.

طاف ديكارت في انحاء اوروبا سنوات عديدة، تعرف خلالها على مشاهير عصره.. لقد أمضى فيلسوفنا اكثر من عشرين سنة من حياته في هولندا وكان انتشار أفكاره الجريئة المجددة في الجامعات الهولندية، سببا في الحملة العنيفة التي شنها عليه رجال الكهنوت البروتستانت وقصد سنة 1649 استوكهولم، حيث توفي في شباط 1650م. ينطلق ديكارت في فلسفته من أثنينية الروح والجسد من حيث انهم جوهران مستقلان: مادي وغير مادي.

يتمتع الجوهر غير المادي بصفة أساسية هي التفكير، بينما يتميز الجوهر المادي بالامتداد. لقد كان ديكارت ماديا في الكسمولوجيا (أي علم بنيان العالم) وفي علم نشوء الكون وتطوره، وفي الفيزياء وعلم الاحياء.. فهو قد وضع فرضية عن الارتقاء الطبيعي للكون، وعن تطور الحياة على الارض وفقا لقوانين الطبيعة، ونظر الى أجسام الحيوانات والانسان على انها الات معقدة، تسير وفقا لقوانين الحركة الميكانيكية.

ومن جهة اخرى كان ديكارت مثاليا في البسيكولوجيا (اي علم النفس) وفي نظرية المعرفة، وفي ارائه عن الوجود.

انه يبدأ، كما فعل (بيكون) من التشكيك بيقينيه جميع المعارف، التي كانت تعتبر سابقا حقيقة لا يرقى اليها الشيك: فالمعرفة اليقينة لا تأتي عن طريق الحواس - حتى ولا عن طريق العقل: فأنا أشك في الحواس، لأنها خدعتني احيانا، ولعلها تخدعني دائما: كما ان اخطاء الاستدلالات العقلية، تجعلنا نشك في صحة استنتاجات العقل.

وهكذا يجب الانطلاق من الشك المطلق الكلي.. فديكارت ينتقد المعرفة الموجودة، وذلك بهدف البحث عن معرفة اكثر يقينية - يدفعه الى ذلك، الايمان بوجود مثل هذه المعرفة. فالشك عن ديكارت، ليس الا وسيلة لامتحان معارفنا وقوانا العارفة، ومنهجا للوصول الى اليقين.

فمهما اتسعت دائرة الشكوك، يبقى هناك في النشاط المعرفي شيء لا يرقى اليه الشك: في كل الحالات يبقى وجود الشك، أمرا يقينيا في، فأنا استطيع ان أشك في اي شيء، ما عدا وجود الشك ذاته. وبما انني اشك فانني افكر، وبالتالي فان وجود شكي يبرهن على تفكيري.

ان من الممكن ألا يكون جسمي موجودا فعلا، فمن الجائز ان تكون هناك روح خبيثة، اوجدتني على حالة، أظن بها ان لي جسما، بينما لا أمتلكه في الواقع. ولكني اعلم يقينا بأنني أنا، الذات المفكرة والشاكة، لست وهما بل موجودا: «أنا أفكر، اذن، أنا موجود».

المهمة الاساسية للمعرفة كما يراها ديكارت، هي ضمان رفاهية الانسان وسعادته، بعد سلطانه على الطبيعة، وتستخير قواه لصالحه. ولهذا جهد ديكارت للوصول الى منطلق يقيني عام، ومنهج صحيح، يؤدي به الى المعرفة الحقة. فوصل الى ما ذكرناه في الفقرة السابقة، في المبدأ المشهور: أنا افكر اذن انا موجود.

هذا المبدأ يتكشف بالحدس العقلي، الذي يتميز بالتصور الواضح الجلي عن الموضوع، بحيث ينتفي أي شك. ان معيار اليقين عند ديكارت، ليس في الممارسة - بل في الوعي الانساني. وهكذا فقد سعى ديكارت للبرهنة على وجود العالم، في البرهان على وجود الله.. ففكرة وجود الله، تتميز عن غيرها بأنها فكرة وجود كامل لا متناه - ولذا كانت اكثر واقعية من غيرها من الافكار.

ويؤكد هنا ديكارت:ان العلة يجب ان تكون على قدر من الواقعية، لا تقل عنها في معلولها (اي نتيجتها): وبما اننا موجودون، ومعلولون للعلة الاولى، التي هي الله، كان الله موجودا - والله غاية الكمال، ولذا فانه من المستحيل ان يخدعنا.. ومن هنا كان وجود العالم المحسوس يقينا ايضا.

أرسى ديكارت اذن منطلقه اليقيني العام كما رأينا، فيما وصل اليه في ان صدق الله هو السبب ايضا في ان المعرفة ممكنة. ومن هنا بدأ ديكارت من ثم، يسعى ليرسي منهجه الصحيح الذي يراه يؤدي الى المعرفة الحقة.

اذا استخدمنا قدراتنا المعرفية (يقول ديكارت) بشكل صحيح، فاننا لن نضل أبداً: الضلال يأتي نتيجة للاستعمال غير الصحيح لقدراتنا المعرفية، ولا سيما منها الارادة - التي هي عند ديكارت، حرة مطلقة غير مشروطة بأية بواعث.. والتي تنقاد في اختيارها، للأهواء لا للحقيقة. تعود امكانية بلوغ المعرفة، في رأي ديكارت - الى وجود أفكار، او حقائق، فطرية، تأتي في مقدمتها المسلمات.

 

ويؤكد ديكارت في هذه المنطلقات لصياغة منهجه، الذي يود ان يوصله الى المعرفة الحقة - يؤكد ديكارت هنا: ان فطرية هذه الحقائق، لا تعني انها جاهزة، مكتملة: بل تعني استعداد العقل لتقبل المسلمات والمبادىء، لا اكثر. ان العقل، لا الحواس يلعب الدور الأساسي في عمليات المعرفة... ان العقل، ذاته، المصدر الوحيد للمعرفة اليقينية.

 

وفي عملية المعرفة هذه، يعلق ديكارت أهمية كبرى على الاستنباط: لأنه يرى في المسلمات المبادىء الأساسية لكافة العلوم. كما يؤكد على يقينية جميع حلقات الاستنباط، التي تأتي بعد المسلمات، ويركز ديكارت هنا على أهمية الذاكرة القوية، التي لا تكل، ولذا كانت المبادىء البسيطة والواضحة التي ننطلق منها، اكثر يقينية بالمقارنة مع أحكام الاستنباط النهائية.

 

وهكذا يصبح بامكان العقل، المسلح بالحدس والاستنباط - الوصول الى المعرفة اليقينية في جميع المجالات، شريطة ان يتبع منهجا صحيحا. ومنهج ديكارت الصحيح كما راه في فلسفته، يعرضه في خطوطه العامة - في مؤلفه «مقالة في المنهج» الذي نشر عام 1637م.

يستند المنهج الديكارتي، الى اربع قواعد هي:

- التسليم فقط بيقينية المبادىء، التي تبدو للعقل بسيطة واضحة، لا تثير يقينيتها اي شك.

2 - تقسيم كل مشكلة الى أجزائها.

3 - الانتقال المنظم من المعروف والمبرهن عليه، الى المجهول الذي يتطلب البرهان.

4 - عدم إغفال أي من مراحل البحث المنطقية.

وتعرف هذه القواعد في المنهج الديكارتي، على الترتيب الذي عرضناه - بقاعدة البداهة، والتحليل والتركيب والاحصاء.

عمل ديكارت، في مسائل الفيزياء وفي علم بنيان العالم والرياضيات، لا كفيلسوف فحسب، وانما كعالم طبيعي ورياضي ايضا. فكان من أوائل واضعي الهندسة التحليلية - له يدين العلم الحديث بادخال الاحداثيات، في شكلها العام الى الهندسة التحليلية.

وفي الميكانيك: نوه ديكارت الى نسبية الحركة والسكون، وصاغ القانون العام عن الفعل ورد الفعل.. وقانون حفظ كمية الحركة الكلية عند اصطدام جسمين مرتين. وفي علم البصريات: برهن على ثبات نسبة الجيوب، اثناء انكسار الضوء.. كما ساهم في تطوير النظرية الرياضية عن قوس قرح. وفي علم نشوء الكون وتطوره: يطرح ديكارت فكرة التطور الطبيعي للمجموعة الشمسية والمشروط بخواص مادة وحركة الدقائق المكونة لها.

وفي فهمه للمادة: يطابق ديكارت بين المادة وبين الامتداد، او المكان، وينفي ان يكون للخواص المدركة حسياً (اللون، الحرارة، الصوت، وغيرها) - ينفي ان يكون لهذه الخواص أي وجود موضوعي. لقد أدى هذا الفهم الديكارتي (برغم طابعه الهندسي المجرد) الى عدد من الاستنتاجات، التي أصبحت فيما بعد، أساسا للتصورات العلمية عن العالم.

من هذه التصورات العلمية عن العالم، التي كانت من استنتاجات ديكارت: لا محدودية المادة الكونية (اي المكان)، وتجانسها، وانتفاء الفراغ فيها، وقابليتها للتجزئة الى ما لا نهاية

. وقد كان الاستنتاجيات الأوليان: لا محدودية المادة، وتجانسها - ضربة لتصورات العصور الوسطى في محدودية العالم، وفي مراتبيه (هيرارشية) العناصر الفيزيائية المكونة له.

وكان الاستنتاجان الأخيران: انتفاء الفراغ في المادة، وقابليتها للتجزئة الى ما لا نهاية - ضربة لمحاولات بعث التصورات الذرية اليونانية، التي تعتبر العالم كله مؤلفا من دقائق صغيرة، لا تقبل التجزئة، يفصل بينها الخلاء.

نقف من ثم عند نظرية ديكارت في «الانسان». الانسان عند ديكارت، رابطة واقعية، تضم الجسم، باعتباره امتدادا لا روح فيه - والروح العاقلة، المريدة والمفكرة. والتجربة ترينا ان النفس والجسم متضامنان، يؤلفان موجودا واحدا. وان حالات الجسم مشروطة بحالات الروح - والعكس صحيح ايضا، في ان حالات الروح مشروطة بحالات الجسم.

ويؤكد ديكارت ان الله ذاته اضفى الروح على الجسد، ليميز بذلك الانسان عن الحيوان. والحيوان كائن لا وعي له، وان كان بعضه يفوق الانسان مهارة في بعض الافعال: ان كافة حركات الحيوان، لا تتعدى كونها حركات جسمية وميكانيكية.


المراجع

addustour.com

التصانيف

الفلسفة   مصطلحات فلسفية   العلوم الاجتماعية