مقدمة
طبقاً لعلماء الاجتماع فإنه يصعب قياس تديّن أفراد مجتمع من المجتمعات، وذلك لتباين المعايير التي تحدد مستوى التديّن، والتي تختلف من مجتمع لآخر ومن دين إلى دين؛ بل وحتى داخل الدين الواحد، بسبب تعدد المذاهب كما هو الحال عليه في الدين الإسلامي. وتأسيساً على ذلك فإنه يصعب قياس مستوى تديّن المسلم بشكل دقيق؛ إلا أن إتيان المسلم أو المسلمة بأركان الإسلام الخمسة قد يعد من المعايير المناسبة لقياس مستوى تديّنهم رغم أن ذلك قد لا يعد كافياً. وتكمن الصعوبة الأخرى لقياس التديّن في كونه مسألة شخصية ترتبط بنظرة الفرد إلى الدين وما يعنيه له من جهة، ومن جهة أخرى بسبب كثرة التفاصيل التي ينظمها الدين انطلاقاً من حقيقة أن الإسلام ليس مجرد شعائر يجب الإتيان بها فحسب؛ ولكنه أيضاً ممارسات سلوكية يعبر من خلالها
الأفراد عن تديّنهم. يشير معظم المفسرين إلى قوله تعالى "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (الذاريات: 56) لتأكيد فكرة العبادة بشكل عام، وأنها تتجاوز الشعائر لتشمل سلوكيات الإنسان.
نحاول في هذه الدراسة مقاربة مفهوم "التديّن" في المجتمع السعودي من خلال التحليل السوسيولوجي للتديّن؛ وعرض بعض المؤشرات التي تعكس تديّن السعوديين من خلال نتائج بعض البحوث التي أجراها مركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام. قبل ذلك سنقدم عرض تاريخي – اجتماعي لنشأة الدولة السعودية في مرحلة مبكرة، ولاسيما أنها قامت على أسس دعوة دينية إحيائية تمثلت في مناضرة حكام آل سعود للدعوة السلفية (1740م) التي قام بها الشيخ محمد بن عبدالوهاب، والذين جاءوا من بعده. وقد مثلت الدعوة السلفية الركيزة الأيديولوجية التي نهضت عليها الدولة السعودية في أطوارها الثلاث. لقد دافع الحكام السعوديون عن الدعوة السلفية وناصروها بكل ما أوتو من قوة؛ بل إنهم يعدون شرعيتهم رهينة بمدى إخلاصهم للإسلام ممثلاً بالدعوة السلفية منذ عهد الأمير محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى في منتصف القرن الثامن عشر وحتى الوقت الحاضر. يشمل العرض كذلك أهم الأسباب التي جعلت الدعوة السلفية تحظى بقبول الناس، وكيف وظفها أمراء آل سعود في لم شتات المجتمع القبلي المتناحر في الجزيرة العربية. ويتناول العرض كذلك الجهود التي بذلها الملك عبدالعزيز في هذا الجانب وموقف القبائل البدوية من دوره السياسي، والكيفية التي استجابت بها القبائل لدعوته، ثم الموقف المناوئ للملك عبدالعزيز من قبل بعض القبائل البدوية التي انشقت عنه فيما بعد تحت ذرائع دينية، مما عد في حينه تعصباً دينياً لاحقاً بتمرد الاخوان (1929م) والهزيمة التي منيوا بها بعد أن تبين المدى الذي بلغوه في تعصبهم الديني. ونعرض كذلك نماذج أخرى للتطرف الديني في المملكة والوسائل التي عبر من خلالها المتطرفون عن مواقفهم المناوئة للدولة. يتم بهذا الصدد تسليط الضوء على تمرد جهيمان العتيبي عام 1979م، وهو موقف لا يبتعد كثيراً عن موقف الاخوان من حيث الجذور والمنطلق الفكري.
ستناقش الدراسة بعض المؤشرات التي تبين مستوى تديّن السعوديين، كالموقف من بعض القضايا التي أثارت سجالا في السنوات الأخيرة كالمقررات الدينية في المدارس الحكومية، ودرجة التزام الشباب بالواجبات الدينية، وموقفهم من قضية الغلو والتطرف، والمخالفات الدينية في المجتمع، ثم نعرج على بعض مؤشرات التديّن كالتزام الشباب بأداء السنن والنوافل، ونظرتهم إلى أنفسهم وما إذا كانوا يعدون أنفسهم متديّنون وإلى أي حد، ونظرتهم إلى تديّن سائر أفراد المجتمع، ثم مدى متابعة البرامج الدينية التلفزيونية مقارنة بالبرامج الأخرى. تقدم الدراسة كذلك رأي الجمهور حول دور الخطباء والمشائخ في الحملة الإعلامية التي هدفت الحكومة السعودية من وراءها إلى خلق تضامن وطني ضد الإرهاب الذي يتدثر بالدين. وأخيراً فالدراسة تعرض وجهة نظر الجمهور حول أثر الفتاوى التي تصدر من بعض المشائخ في بيع وشراء الأسهم، وهي جزئية صغيرة لكنها بالغة الأهمية تعكس في جانباً منها أثر الدين في طريقة كسب الأفراد لقوتهم وتنمية مدخراتهم المالية. الدراسة بذلك تقدم مجموعة متنوعة من المؤشرات تكشف مدى تديّن السعوديين، لاسيما أن ما يتم إيراده من نتائج يتأسس على بحوث مسحية سبق لمركز أسبار القيام بها في مختلف مناطق المملكة، والدراسة بذلك لا تدعي أنها تقيس تديّن السعوديين، إلا أنها تحمل في طياتها مؤشرات حول نمط تديّن السعوديين يمكن تطويرها في دراسات لاحقة.
المراجع
موسوعة الأبحاث العلميه
التصانيف
تصنيف :الأبحاث