قل سيروا في الأرض، ولا تسمعوا لأرسطو وشرّاحه، الأرض تحدث أخبارها، وفيها من العجائب ما يكفي للاندهاش حتى آخر لحظة في العمر.
المدن تغريني، أما طرق القوافل البعيدة والمجهولة فأجد فيها وجه الله.
سيروا في الأرض، وشاهدوا آثار الأمم التي محقها الله، فغاصت في التراب أو تيبست على الحجارة.
ثمة وجه الله في كل شيء. والسفر وإن كان عذاباً كاملاً ومغامرة غير مأمونة فإنه يسفر عما يضطرب به هذا القلب وما يترع به.
المركب المصري الذي صعدت إليه، كان مزيناً بأعلام الناصر صلاح الدين، وأعلام المنصور أمير البلاد المراكشية والأفريقية، وما والاها من بلاد الأندلس، ومملكة غانة في الصحراء، وبرقة على شاطئ بحر الروم.
وكعادة البحارة المصريين فإنهم يسمون مراكبهم أسماء حسنة، وهذا ما لم أشاهده في بحار أخرى أو موانئ أخرى. وكعادة البحارة المصريين ـ أيضاً ـ فإنهم يجاملون حاكم البلاد التي يمرون بها، فاسم مركبهم عندنا في سبتة “المنصور” أما في الاسكندرية في “الناصر”. مراكبنا يكتب عليها اسم الله وحسن ذلك اسماً وكفى به.
البحارة المصريون وعلى غير عادة بحارة مراكش فإنهم يتعلمون أحوال النوء بالمشافهة، أما بحارة مراكش فإنهم يتعلمون ذلك بمدارس خاصة أقامها لـهم المنصور في مراكش ذاتها؛ حيث أجري عليهم الرواتب وسفناً صغيرة يتدربون عليها قبل أن يخوضوا غمار البحر.
المركب المصري الذي صعدت إليه نهاية هذا الصيف، نطلق عليه ـ هنا في بلاد مراكش والأندلس ـ الجفنة ـ في حالة السلم ـ أو الجفنة الغزوية ـ في حالة الحرب ـ، أما أهل مصر وأهل الشام فيسمونه بالشلندي، ولا أدري سبب هذه التسمية، ولكن إخوتنا المشارقة لـهم مزاج لا يشبه أمزجتنا هنا في المغرب. فالمركب الذي صعدت إليه يشبه الجفنة حقاً في اتساعها وتسطحها، وهو طابقان لا ثالث لـهما، الأسفل منهما للجذافين، أما الأعلى فللمسافرين والأمتعة والمؤمن.
مدينة سبتة في نهاية الصيف تتحول إلى سوق فقط، يضج بالقادمين من مصر والشام والأندلس وصقلية واقريطش وأنطاكية وجنوة وبيزة والقسطنطينية، وتجري سوق المترجمين وبائعي النقد بالنقد، ولا أعود أعرف المدينة التي أحببتها يوماً.
المدن تغريني دائماً. وسبتة لا تشبه غرناطة في شيء؛ غرناطة قطعة من جنة الله على أرضه، أما سبتة فهي مجرد سوق على شاطئ بحر الروم المزدحم. ولكن غرناطة هي عاتكة أيضاً. لما ماتت عاتكة، ماتت غرناطة.



تأليف: أحمد رفيق عوض

المراجع

موسوعة روضة الكتب

التصانيف

تصنيف :فنون   أدب