لم يكن الفرات هادئاً… إنه يشاطر الريح دويّه، كما يشاطر أبناء المدينة أحزانهم، كان صاخباً هادراً ساخطاً متوعداً كل الذين رسموا السدود في طريقه، وعرقلوا شغبه بأوخم العواقب، فقذف موجات هائجة كنست كل النفايات، واقتحمت جدراً تنزّ عفونةً وجرفت كل ما اختزنه المتشاطئون من مؤونة…
كان الشيوخ والعجائز يعرفون سطوته وقرابينه، فكانوا يصلّون، ويرفعون الأكفّ بالدعاء كلّما أهلّ عليهم شهر نيسان، وكان الفرات عنيداً عاقاً لا يقيم وزناً لصلوات، ولا يكترث بالأدعيات... يقتحم حصون الأمل بهمجية، ويفتح حقائب الصمت بعنجهية، ويهزّ جذع الريح بقوة، فيتساقط الدمع المعتّق أياماً، وتُجلد الوجوه بسياط اللوعة والرهبة…
هو الفرات الذي نعشقه رغم مآسيه وجرائره… ملهم الأدباء وملتقى الأحبة، وشريان الحياة الذي يمدّنا بالعطاء… هو الفرات الذي نطوّف على سطحه الرقراق في كل حينٍ شموع الأمل… لم يصمد أحدٌ أمام هيجانه المدمّر… وحدها أشجار التين استطاعت أن تردّ له الصفعات رغم الغثاء الذي جلل لحاءها، ولوى أعناق المزروعات التي لاذت بها…
كل عام، وفي نيسان يرسم الفرات للمنطقة خرائط ملوّنة، حدودها صحارى ومتاهات وأخاديد تهزّ الوجدان، وتقشعرّ منها الأبدان…
الرجال يستغيثون، والأطفال يبكون، والشيوخ يحوقلون، أمَّا النساء فتندبن، وتولولن بعصبية…
قال شيخ المدينة لمن احتشد أمامه:
ـ إنها ضريبة البقاء يا أبنائي، وامتحان من الله تعالى… أكثِروا من ذكر الله والعمل الصالح، فبهما منجاتكم…
هزّ الواقفون رؤوسهم بأسى، وتفرقوا دون أن ينبس أحدهم ببنت شفة.
أزهار الربيع لوّثها الغثاء، فأصبحت نفايات، والبسمة اختفت من الشفاه، والعيون النديّة ما زالت تذرف دموعاً حارقة تلهب الوجنات…
إيه أيها الآتي… ماذا تركت لنا؟
البيوت تآكلت حيطانها، وتقشّر طلاؤها، وفقدت الأبواب والنوافذ انتماءَها لأي لونٍ سوى الصدأ والرطوبة…
الخوف يمتد دماً حتَّى انتهاءات الوداع، وقد طيّرت أشياءَها الأشياء، وانسابت على الغثاء تبحث عن سر الضياع.
إيه أيها النهر الجبّار كنت تمنحنا فرحاً، ألقاً، وتحذّرنا من يباب الأجل… كنت تهدي إلينا عطر الأمل، ثمَّ تغرس في حقولنا فسائل الحب والمودة… كنت تقطف ذوب القلوب، وتجعلنا نتماهى على عجل، كنت توقد نار العشيات في مرابِعنا فيهلّ الحجل…
..من الرواية
تأليف: محمد رشيد رولي
المراجع
موسوعة روضة الكتب
التصانيف
تصنيف :ثقافة
login |