قبل أن يتغرغر الصبح بمائه ويصحو الديك من غيبوبته قررتُ أن أحكي حكاية قصيرة ، أذ أصبح من الغريب أن تتثاءب المدن الموشومة بالبطش على صورة المشاهد اليومية وتصبح الذاكرة العمياء مهيئةً للرذيلة ، هكذا أبقاها الملك شهريار ساذجة تجفل من مبادئها كي يُتخم بمضاجعة أبنائها وهم في غفلة معاناتهم متوهمين بأنهم يتكلمون وينامون ويأكلون كسائر البشر.
ترنح شهريار وتمايلت أعضاؤه للأنتقال من وضع الجلجلة إلى وضع الخدر بعد أن لعبت اللعوب برأسه وأدارته بصهبائها ، مد ذراعيه متثائباً وقال:
- هنيئاً لشعبي بي فأنا مفتاحهم لمدينة الحياة..
شغف بحكاياتي وشغفتُ بترويضه وغزو مشاعره الباهتة المنسوجة من الرماد، تمددتُ بثوبي الأحمر الفضفاض فبانت فتحة نهديّ الأعزلين تناولت تفاحة وتنفست نفساً موجعاً ،
رأيت الأبّهة الملكية الخرافية تصطاد بطشها من عيون الضعفاء، كانت في حبكتها السرية مرتمية على قمديّ كطفلة عطشى.
مرقت قصة البارحة وتذكرت بأننا انتيهنا عند مبادلة الخرائط ، لامستُ حزني ودمعة غادرت بئرها استدرجت شفةً لصلواتها الليلية كي تنجو أنوثتها المنغصة من بطش السيف، أنزعته عمامته وتركت رأسه مسترسلاً في حجري، داعبت خصلةً بيضاء في شعره، أرخى جفنيه وتثاءب، فتطاير الرذاذ المشبع برائحة الخمر.. دغدغت عنقه وانحنيت على وجهه إنحناءة بحر على موجٍٍ طافحٍ، بدت منه ضحكة ماجنة بينما رحت أردّد مع نفسي:
- من رقبة لرقبة ثمة مجداف.
صمتُّ قيلاً ثم استطردت :
- يحكى سيدي ، أن ليلة ليست ككل الليالي، حيث اعتاد الشاب مولود أن يجلس ورفاقه في غرفته لمبادلة الأحاديث واللهو والتنفس من ضيق يوم متعب.
ألقى مولود نظرة خاصة صوب دولاب جده وكأنه يراه لأول مرة، تساءل مع نفسه:
- لماذا لم أحاول فتح هذه الخزانة منذ مدة؟
وتطلع إلى أرجاء الغرفة، لم يجد أثراً لمفتاح، اعتذر لمخيلته التي راحت تصور له ما بداخله من كنز.
في وقت مبكر عادت والدته إلى الدار وتساءلت فيما إذا كان لديه رغبة في الأكل، في الوقت ذاته طرق الباب أصحابه المعتادون على السمر معه ثم لحقهم بالدخول صديقه الذي يتصور نفسه بأنه حصان أبيض، رفع بنطاله عن ساقيه وحاول الهرولة في الغرفة تاركاً ضجيجاً يعلو فتصرخ الأفواه طالبة منه السكوت ومولود يتوسله بعدم إغضاب الوالدة الحبيبة.
في هذه اللحظات المحمومة حاول كسر الخزانة وشجعه على ذلك صوت والدته:
- لا بد من كسرها فليس لدينا مفتاح.
صهل صديقه الحصان وخلع نعليه وزاغت عيناه في الصندوق، جلس مولود على الأرض والأصدقاء حوله، وبينما هم في حالة استطلاع، سمعوا صوتاً صادراً من الصندوق الخشبي:
- مفتاحكم معي
وبمجرد الملامسة لهذا الخشب المحفور بعناية فائقة سمعوه يردد ثانية:
- كونوا معي في قلوبكم وعقولكم.
ثم أطلق للحضور حرية الكلام وطلب منهم أن يسألوا ما شاؤا.
استغربوا من هذا المخلوق العجيب ، أراد أحدهم تعجيزه فسأله:
- نحن في حزنٍ شديد، أسألك هل يحزن الحزن؟
اهتز الصندوق وتحرك بغضب ثم أجابه:
- لو حزن الحزن، لما أصبح للألم لذة ، والدمعة لو ذاقت طعمها لتعالت على عناصرها الأولى واجتازت جغرافية محاجرها..
- لكن هذا شعر..
ثم نط ّ الصديق الحصان واقترب من الصندوق قائلا ً :
- إسمع يا عم ، تأخرت الأعوام والخريف يواسي الضواحي وعيوننا ما زالت محدقة بالفراغ.
- هل تدرك خطورة كلامك ؟
وبدأ الغضب يتطاير من خشبه حتى سُمعت طقطة قوية بداخله:
- لقد خاطبتني يا عم. لابأس يا ولدي، أُسديك نصيحة . ، يجب اختيار الطريق لا السير على الطريق، ثم كن بنفسك واحداً أو جمعاً لأن كل إنسان هو ثمرة الله على أرضه هل تعبد الله؟
- كلنا عابد ومعبود يا عم.
نط ّ أحد الأصدقاء وأصغرهم موجهاً كلامه لصاحبه:
- هذا شرك بالله.. كلنا عبيد الله.
فأجابه القائل:
- ومعبودون من قبل حبيباتنا وأمهاتنا.
ثم.. تتابعت الأسئلة، منسجمة ومتناقضة محاورة ومعبّرة وتافهة أحياناً، والصندوق يهتز، لكن سؤال مولود الأخير ترك صمتاً:
- ما اسمك يا عم ومن أنت؟ ومن أين جئت؟
- أنا خلف السحاب والصفصاف وفوق الجسد والرأس والكوابيس والشمس والمغيب و....
قاطعه مولود:
- أريد اسمك؟
- إسمي .إسمي ، رفع وكسر ونصب وتسكين.
تأمل الجميع وجوه بعضهم وخرس الصندوق عن الكلام ، حاول مولود هزه وتحريكه لم يفه بأية كلمة، إحتضنت عيونهم كل الأسئلة ودخلت المشاهد ببعضها واختبأت الصدور في سراديبها وراح كل منهم يكوّن كلمة بين أصابعه ويعد كل حروف وأدوات الرفع والنصب والجر والتسكين لعله يعثر على الإسم الذي يفتح الصندوق.

مشى الليل على عجل وشهريار أزاح الشَعر عن رقبتي متلمساً بياضها ثم نظر في عيني:
- لماذا تلغزين في سردك القصصي؟
قلت:
- سيدي، أنت العارف بكل شيء ولا يخفيك علم اللغة فأسماؤك الحسنى خير دليل على عظمتك فاشفق عليَّ من أسئلتك ، ثم أن الصباح توغل في رئة الأبواب وصوت الديك يقودنا لنهاية الليل.
قال:
- لا بأس .. فقد أسكرني حديثك عن صندوقك الذي فاجأني في أعجوبته.
ناديت الجواري وطلبت منهن جلب المسك، وإلى جانب النديم النائم زعق النهار زعقته المضيئة وبقي سر الصندوق في قلبي ولم أخبر شهريار نهاية الحكاية ، لأنه لو عرف أن صديق مولود الذي يصهل دائماً حين وافاه الصباح وجدوه بلا أصابع ووجهه ممسوح الملامح وبقية صحبته تحشرجت أصواتهم بصمتها، لتململ وضجر أما مولود فعندما دخلت أمه الغرفة لم تجده، بحثت عنه في كل مكان وفي كل شارع وبيت طرقت أبواب أصدقائه ومعارفه، توجهت للإذاعة ومحطة التلفزيون دون نتيجة ، لكن بعد مرور عشرة أيام نُشر في الصحف عن جثة عثروا عليها مشوّهة الملامح، ولو أخبرت شهريار عن أم مولود التي أصيبت بالجنون لتذمر لأنه لا يحب المجانين، لذا تركته يرقد دون أن يعرف النهاية ، وسأتحايل عليه في الغد كي لا يسألني عن سر المفتاح والصندوق ومولود .

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب