في صخب اللحظة، تهامس الناس عن سرٍ أُشيع في المدينة، وكلما تساءل أحد عن هذا السر، أطبقت الأجفان على خوفها وتلاحمت مقيدة النظرة.
-قيل إن أكل لحم الكلاب حلال وقيل هنا مفتاح السر.
أغمض الفضاء عينيه ليتأكد بأن الهواء لا يتلصص عليه راجياً أن تصفو السنوات القادمة ويتلاحم العراء مع أجساد طأطأت رؤوسها ، كان الوقت ليلاً حين خرجت القطط من الأبواب تغرس مخالبها في وجه الأرض وتبتني جسوراً من الهرولة بين الحشائش والنهر.
ذهب شاب بعيداً عن بيته وجلس قرب كنيسة تتقن لهجة أجراسها، بينما المسجد لمعت مئذنته وبرقت بصوت المؤذن ، بعد فترة من التأمـّل في المارة والشارع خرج الشيخ الذي يؤّم المصلين يعدّ بمسبحته أسماء الله بينما السماء رسمت زرقتها للمدى.
خرج الرجل من المسجد يتتبع اثر الشيخ، اقترب منه وسأله:
- هل ما سمعناه حقاً يا مولانا؟
- وقبل أن يكمل نظر إليه الشيخ نظرة أوحت بالتجاهل فتردد وتلعثم ثم بلع بقية سؤاله.
سار بإتجاه واحد وخشية أن ينهره الشيخ أطرق أرضاً وبقي صامتاً ، أما الشاب فكان فيتطلع إليهما عن بعدٍ ويتأمل ذلك الرجل الذي يلوك سؤاله إذ ليس من اللائق مقاطعة الشيخ وهو يسبّح بمسبحته، لكن في قلبه هودج يترجرج بإيقاعٍ لا يخلو من عتب نحو الشيخ، أوحت إبتسامة صادرة من الشيخ بالرضا وترددت شفتاه ثم تعطفت عليه:
- حرّمنا عليكم أكل الميتة ولحم الخنزير .
شده الحماس إلى التساؤل ، لذا عليه أن يجتاز تردده البارد فخرجت من فمه كلمة متثاقلة:
- لكن الله لم يذكر الكلب
إبتسم الشيخ مموّها عن فرح دفينٍ في صدره، ثم غير إتجاه سيره قاصداً داره مثقلاً بأسئلة عمياء ، وفي عينيه إزدراء يشعره بأن الكلمات مجرد وهم بينما تعبر أمامه الأجساد التي تمتص عرقها والوجوه في قلق فوضوي وضوء خافت يعتري الشوارع حيث الضجيج ، تجشأ مخمور وأشار بإصبعه:
- هل سمعتم عن الكلب؟
إعتلى جدار روحه ووقف منتصباً وبكل ثبات وقف الشاب خلفه وهما يتطلعان لما يحدث.
على باب دكان صغير لعبت ثلاث قطط وتخابثت رابعة في البحث عن فأر يطل برأسه من فتحة الدكان، لكن ضوضاء الأهالي واشتباك المارة إستفز الشاب إذ تحول حوار صاخب بين اثنين إلى شجار حول أهليّة الكلب للأكل وعن تحريمه في الوقت ذاته، تجمهر صبية حول كلب أجرب، جرّوه من ذيله في الوحل ثم ضربه أحدهم بحجر، آخر وخزه بسيخ في بطنه وقال ثالث:
- وكيف ستأكلونه وهو على هذه الحال من القذارة ؟
نبح الكلب نبحته المعهودة ثم بحث عن بقايا عظام في الأرض، أضاء صبي مصباحاً يدوياً ووجَّهه صوب بطن الكلب فبانت اجساد هُرست أضلاعها، ضغط الصبي ثانية على زرّ المصباح ليبدو أكثر إنارة، تجمعت العناكب والثعابين حول الكلب وضجت بأصوات تبعث للتقيؤ أمّا عيون الجميع فكانت محملقة كشواهد وأدلــّة على الحدث، ومن بين وجوه الجميع لمح الشيخ يقترب منه ووجده قد خبّأ مسبحته في جيبه ومثل من يُعلن عن شيءٍ هام وقف باعتدال قائلا:
- لا تُبقوا شيئا.
الكلب يعوي وأصوات الأهالي رنين لا يهدأ، وفيما كان الوضع يصنع أنغامه الخاصة سمع صوتاً أُنثوياً، وقف الشاب ساكناً في مكانه منتظراً لحظة جديدة وقد ساورته الشكوك وهو يرى الكلب المدمّى حيث رآه مجرد حشرة تتمنى أن تمر سحابة تطهّر روحها ، أزاح أفكاره عن توهمها ثم عاوده الشيخ : لا تبقوا شيئاً.
تمنى أن تكون له أنياب ليمزق الكلب ويريه عاقبةً مرة ً. تسمّر في
مكانه حتى لكأنه فقد الرؤية لكثرة التحديق ، فعاوده الصوت الأنثوي ثانية:
- بُنيّ...بُنيّ.. قم إنه أذان الفجر، قم ياصابر ، قم للصلاة ، سبقك أخوك مظلوم . .
ثم أعطته مفتاح غرفة والده ليتخذ منها مسجداً.
بعد أن صلى صلاة الفجر رغب أن يخرج خارج الدار وفيما هو في الطريق شاهد مسبحة مبعثرة على الأرض والكلاب سائبة تهندس بحكمتها الطريق وكثافة السكان.
صمّ أذنيه وقاطعني :
- إيه شهرزاد أتظنيني لا أفهم؟
- ومن قال ذلك يا سيدي، إن ظلك يشرق على جدار الحجرة.
هرعتُ إلى المصباح وقدمته له:
- إنه بعضٌ منك يا مولاي.
مسح شاربه بزهو:
- أعرف ذلك ،ههههههه ، ولكن احذري من قصص الكلاب غدا.
هي ليلة أخرى دخلت بها مرافئي حاملة رأسي لعله يبقى مرفوعاً لأكثرمن يوم أو يجاهد ليبقى تحت رحمة ملك يتحسس مفتاحه .
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب
مقالات قد تهمك
-
الكاتبة, أروى طارق التل-الأردن صديق الرصيف ..
-
الكاتب, حسان محمود الحسون-السعودية جدار
-
الكاتبة, نجوى بركات-لبنان ماري ـ آن !
-
الكاتب, وديع العبيدي-العراق هديل
-
الكاتب, د. عيسى بن ضيف الله حداد-فرنسا قصة فجيعة جداً
-
الكاتب, حسن عبد الرزاق-العراق المعجب بغبائه
-
الكاتبة, نجوى بركات-لبنان مطار شارل ديغول- باريس
-
الكاتب, محمد صباح الحواصلي-أميركا أبو فارس
-
الكاتبة, وفاء عبد الرزاق-العراق ليلة ٌ مثقلة ٌبالأسئلة
-
الكاتب, ضرغام فاضل-العراق ثعلوب يمشي نائما...
|