صلح الحديبية

صلح الحديبية وسبب التسمية

برم هذا الصُّلح في منطقة الحديبية في ذي القعدة من العام السادس للهجرة بين المسلمين، ومُشرِكي قريش فترة عشر اعوام ،[١] وقد اختلف العلماء في تسمية حادثة الحديبية، حيث إنّ البعض منهم سمّاه بالصلح وهم العلماء الذين اعتنوا بتدوين السيرة النبوية، وسمّاها بعض المحققين من أهل العلم بقصة الحديبية، وأمر الحديبية، وغزوة الحديبية، واستند كلّ فريق منهم لمُرجح توصل إليه، وكان السبب وراء تسمية الحديبية بهذا الاسم هو الموقع الذي تمّ فيه الصلح، كما ذكر البخاري في صحيحه: (وسار النبيُّ -صلّى الله عليه وسلّم- حتى إذا كان بالثَّنِيَّةِ التي يَهْبِطُ عليهم منها، برَكَتْ به راحلتُه، فقال الناس: حلْ حلْ، فأَلَحَّتْ، فقالوا خَلَأَتِ القَصْواءُ، خلَأَتِ القصواءُ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما خلَأَتِ القصواءُ، وما ذاك لها بخُلُقٍ، ولكن حبَسَها حابسُ الفيلِ، ثمّ قال: والذي نفسي بيدِه، لا يَسْأَلُونَنِي خطةً يُعَظِّمون فيها حرماتِ اللهِ إلّا أَعْطَيْتُهم إيَّاها، ثمّ زجَرَها فوثَبَتْ، قال: فعَدَلَ عنهم حتى نزَلَ بأقصى الحديبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ، يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضاً، فلم يَلْبَثْه الناسُ حتى نَزَحُوه).

سبب حادثة صلح الحديبية

شاهد رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- في منامه أنّه دخل إلى مكة مع أصحابه، فبشّرهم بذلك، وفرحوا فرحاً شديداً، وخرجوا مع النبيّ وقد أحرموا للعمرة؛ كي تدرك قريش أنّهم لا ينوون دخول مكّة بهدف القتال، بل لعبادة الله -عزّ وجلّ- بزيارة بيته الحرام؛ فخرجوا جميعاً بلا سيوف، ولا سلاح، وعندما علمت قريش بنيّة دخول المسلمين إلى مكّة، حاولوا أن يصدّوهم، ويمنعوهم من دخول مكّة بالسلاح، والقوة، إلّا أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- عدلَ عن طريق مواجهتهم؛ حَقناً للدماء، وتَركاً للقتال، وليُثبتَ لهم أنّه لم يأتِ لحربهم، فأعلن السلم والتفاوض معهم، وإلّا لقاتلهم لو منعوه، وصدّوه بالقوة، فكان صُلح الحديبية، وبيان ذلك بشيء من التفصيل في ما يأتي:

خروج النبيّ إلى عمرة الحديبية

خرج النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم -إلى العمرة في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، وخرجت معه زوجته أم سلمة -رضي الله عنها-، وقد كان عدد الخارجين معه ألفاً وأربعمئة، وقِيل ألفاً وخمسمئة، وولّى -عليه السلام- على المدينة ابن أمّ مكتوم -رضي الله عنه-، وقِيل نميلة الليثيّ.

 مفاوضات قريش والنبيّ

انطلق المسلمون إلى مكّة المُكرَّمة، وعندما وصلوا إلى ذي الحليفة، أحرموا للعمرة، وفي أثناء ذلك كانت قريش قد سمعت بالخبر، فتجهّزت، وأعدّت لهم؛ لصَدّهم عن دخولها، وعلم المسلمون عند اقترابهم من مكّة بأنّ قريش أدركت الخبر، فأخذ -عليه الصلاة والسلام- طريقاً آخر غير الطريق الرئيسيّ المؤدّي إلى مكّة، وفي أثناء ذلك امتنعت راحلته -عليه السلام- عن السير، فقال الناس: "حل حل"، فألحت ، فقالوا: "خلأت  القصواء، خلأت القصواء"، فقال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: (ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياه)،[٦] ثم جاء بديل بن ورقاء الخزاعي ليخبر رسول الله -عليه الصلاة والسلام- أنّه إذا أراد الدخول، فإنّ قريش ستقاتله، وتصدّه عن البيت، فأجابه -عليه السلام-: (إنَّا لم نجِئْ لقتالِ أَحدٍ ولكنَّا جِئْنا مُعتمرينَ)،[٧] وعلى الرغم من أنّ قريش استمرَّت بإرسال الرُّسل؛ لمحاولة إقناعه -عليه السلام- بالرجوع، إلّا أنّه ظلّ يجيبهم بما أجاب به بديل الخزاعي.[٥] عندما رأى الرسول -عليه السلام- هذا الإصرار من قريش، أراد أن يرسل سفيراً إليها، مُؤكِّداً لهم هدفه من دخول مكّة المُكرَّمة، فأرسل خراش بن أمية، وهمّت قريش بقتله، إلّا أنّ الأحابيش  منعتهم من ذلك، فعاد إلى الرسول -عليه السلام- الذي أشار على عمر بن الخطاب بالذهاب إلى قريش، ولكنَّ عمر طلب من الرسول أن يُرسل عثمان بن عفان؛ لأنّه ليس لديه في مكّة أحد من بني كعب ليحتمي به إن أصابه أذىً من قريش، أمّا عثمان فلديه عشيرته التي يحتمي بها في مكّة، فأرسل الرسول -عليه السلام- عثمان ليخبرهم أنّهم لم يأتوا للقتال، وإنّما لأداء مناسك العمرة، ودعوتهم إلى الإسلام، وليخبر المؤمنين الذين في مكّة بإظهار دينهم؛ فقد جاء وقت الفَتح، فانطلق عثمان -رضي الله عنه- إلى مكّة، وكان قد مرَّ بقومٍ من قريش، فأخبرهم بحاجته، فصحبه أبان بن سعيد إلى زعماء قريش، وأوصل إليهم رسالة الرسول -عليه السلام-، وعندما انتهى عرضوا عليه أن يطوف حول الكعبة، إلّا أنّه رفض، واحتجزته قريش فترة طويلة، فشاع بين المسلمين أنّ عثمان قد قُتِل.

بيعة الرضوان

عندما وصل رسول الله -عليه الصلاة والسلام-أنّ عثمان قد قُتِل، دعا القوم إلى البَيعة، فبايعَه الصحابة تحت الشجرة، فكانت بيعة الرضوان، وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه البيعة لم يتخلّف عنها أحد إلّا الجد بن قيس، ثمّ وصل إلى الرسول -عليه السلام- أنّ خبر مقتل عثمان غير صحيح.

وبعد أن تمّت بيعة الرضوان، وقبل أن يرجع عثمان، أخبر المسلمون النبيّ -عليه السلام- أنّ عثمان ربّما طاف في الكعبة، إلّا أنّ الرسول أصرَّ على أنّه لم يَطف بالبيت، مؤكِّداً على ضرورة إحسان الظنّ، وبعد أن عاد عثمان -رضي الله عنه-، أخبره القوم أنّه قد بلغ مُرادَه، وطاف حول البيت، ظانّين أنّه فعل ذلك دون أن يطوفوا معه، فأخبرهم عثمان -رضي الله عنه- مُعاتباً أنّه لا يطوف أبداً قبل أن يطوف رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، فأجابه المسلمون مُؤكِّدين حُسن ظنّ الرسول فيه.[١٠] وقد سُمِّيت بيعة الرضوان بهذا الاسم؛ لأنّ الله -سبحانه وتعالى- ذكرها في مُحكَم كتابه الكريم، وأثنى بالرضا على من بايع رسولَه الكريم، قال -تعالى-: (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّـهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)،[١١] وقِيل إنّها سُمِّيت ب(بيعة الشجرة)؛ لأنّها وقعت تحت الشجرة عند الحديبية.

كما ويُشار إلى أنّه كان للمُبايِعين فضل عظيم؛ فقد مدحهم الله في كتابه، حيث قال: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّـهَ يَدُ اللَّـهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)؛   وفي هذه الآية تشريفٌ لمَن بايع رسولَ الله -عليه الصلاة والسلام-، فقد قال ابن القيِّم فيها إنّه لمّا كان المسلمون يبايعون رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بأيديهم، ويضع يده على أيديهم، كان وسيطاً بين الله وبينهم؛ فإنّ مبايعتهم كانت لله -تعالى-، وإنّه -سبحانه- فوق السموات على عرشه، وفوق الخلائق كلّهم، كانت يده فوق أيديهم، كما أنّ الله شرّفهم بهذه البيعة، فقد رضي عنهم؛ إذ قال -تعالى-: (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّـهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ)[١١] وهذا فضل عظيم من الله،[١٤] وقد أثنى عليهم الرسول-صلّى الله عليه وسلّم-؛ فوصفهم بأنّهم خير أهل الأرض، أخرج البخاري أن جابر بن عبد الله قال: (قالَ لَنَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ الحُدَيْبِيَةِ: أنتُمْ خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ وكُنَّا ألْفًا وأَرْبَعَ مِئَةٍ، ولو كُنْتُ أُبْصِرُ اليومَ لَأَرَيْتُكُمْ مَكانَ الشَّجَرَةِ).

سبب تسمية الصُّلح بالفتح المبين

ظهر الهمّ والحزن على وجوه الكثير من الصحابة، وظنّوا أنّهم الطرف الخاسر فيما حصل، وتجلّت حكمة رسول الله وعلمه ببواطن الأمور، وما ستؤول إليه في المستقبل من الفتح ودخول أفواجٍ كبيرةٍ من قريشٍ في الإسلام، وأمر رسول الله أصحابه بالتحلّل من الإحرام، فلم يبادروا إلى فعل ما أمرهم به، حتّى أعاد ذلك عليهم ثلاث مرّاتٍ، فلم يبادروا حتّى رأوا رسول الله قد حلق وذبح هديه، وأنزل الله تعالى على رسوله سورة الفتح أثناء عودته إلى المدينة المنوّرة والمسلمون في همٍّ وحزن، فانقلب حزنهم إلى سعادةٍ، وأدركوا أنّ الخير كلّه في التسليم لأمر الله وأمر رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وفرّج الله عنهم في هذه السورة كلّ همٍّ بما احتوت من البشارة لهم بالفتح والنصر والرضا عنهم، حتّى قال رسول الله: (لقد أنزلت علي الليلة سورة، لهي أحب إلي ممّا طلعت عليه الشمس، ثمّ قرأ: إنّا فتحنا لك فتحا مبينًا).

 


المراجع

mawdoo3.com

التصانيف

تصنيف :معارك  تصنيف :معارك إسلامية   التاريخ