1 – إشكال المحور:

إذا كان الإنسان يتميز عن غيره من مخلوقات الأرض بالعديد من الخصائص، فالوعي يعد أشهرها، فانطلاقا من الوعي يتمكن الإنسان من التعرف على ذاته، يتمكن من معرفة أفكاره وعواطفه وانفعالاته…بل يتمكن كذلك من التعرف على محيطه، ذلك أنه يستطيع أن يدرك الأشياء المحيطة به وكذلك الأماكن وما إلى غير ذلك من الظواهر… هكذا نقول بأن للإنسان القدرة على إنتاج المعرفة حول نفسه وحول محيطه. لكن محيطه هذا لا يتشكل فقط من الأشياء والظواهر وإنما يتشكل كذلك من آخرين، أي ذوات أخرى تشبهه وتختلف عنه في نفس الوقت، وتشكل معه مجال العيش المشترك. وخلال تاريخ الإنسان الذي يوصف بالطويل فإن التصورات التي كونها عن الآخرين انقسمت إلى تصورات علمية طبيعية تحدد الإنسان ككائن غريزي، وتصورات ترتبط بالعلوم الإنسانية تحدد الإنسان باعتباره ظاهرة نفسية، والغاية من ذلك، السعي لمعرفة هذه الذوات، لكن:

 

– هل يمكن للشخص أن يعرف الآخرين؟

 

– هل يمكن لمعرفته بذاته أن تساعده على معرفة غيره أم أن الأمر سيكون مستحيلا نظرا لاختلاف هذه الذوات عن الشخص؟

 

2 – مطلب التحليل – (موقف مالبرانش):

 

– عرض الأطروحة:

 

 يرى مالبرانش أن معرفة الغير غير ممكنة،  فالأنا تعرف الغير معرفة افتراضية فقط، ومعنى ذلك أن معرفة تخمينية وتقريبية قائمة على إطلاق الأحكام والفرضيات، والتي تكون في الغالب معرفة خاطئة، لأن أساس هذه المعرفة الافتراضية حسب مالبرانش أننا نحكم على الغير انطلاقا مما نعرفه عن أنفسنا، وانطلاقا من إحساساتنا التي نعتقد أنها إحساسات متشابهة إلا أنها في الأصل ليست كذلك، فالشخص حسب مالبرانش لن يتمكن من معرفة الغير لا انطلاقا من الذات ولا انطلاقا من الإحساس ولا انطلاقا من الوعي.

 

– تفكيك الأطروحة:

 

لا يمكن فهم تصور مالبرانش حول إشكالية معرفة الغير بدون استحضار الخلفية الفكرية التي حكمت فلسفته، بحيث ينتمي مالبرانش إلى فلاسفة القرن السابع عشر، هذا الأخير الذي عرف ظهور اتجاهين فلسفيين مهمين، الأول اتجاه الفلسفة التجريبية والثاني اتجاه الفلسفة العقلانية، وإلى هذا الاتجاه الثاني ينتمي مالبرانش، بحيث يرى رواد هذا الاتجاه أن المعرفة اليقينية تبنى بالاعتماد على العقل، في حين تعد الحواس مصدرا غير ملائم لبناء المعرفة، لأن الحواس تخضع، بل أكثر من ذلك المعارف التي تبنى من خلالها معارف مشوهة وتحتمل الخطأ أكثر من الصدق. وعندما يتعلق الأمر بمعرفة الغير أو الآخر الشبيه والمختلف في نفس الوقت، فإن المعارف التي نكونها حوله تبنى بالاعتماد على الحواس، بحيث نلاحظ تصرفات الغير، سلوكه، انفعالاته… ونحكم عليه انطلاقا من ملاحظاتنا تلك وندعي بأننا نعرفه، لكن في الأصل تكون معارفنا معرضة للخطأ، كوننا نكوِّن هذه المعرفة بالاعتماد على الحواس .

 

3 – مطلب المناقشة:

 

–  مناقشة داخلية:

 

بتحليل الطريقة التي عرض بها مالبرانش تصوره هذا، يظهر بأن موقفه متماسك لا على المستوى النظري ولا على مستوى الواقع، فلو تأملنا واقع الإنسان سواء الماضي منه أو المعاصر، يتبين بالملموس أن المعرفة اليقينية بالغير لم تتم بعد، وذلك لسبب رئيسي، يكفي فقط أن نتأمل حجم الشر الموجود في العالم، فكل هذا القتل والعنف والدمار والكذب والخداع الموجود في العالم، يعبر عن فشل مواد العلوم عامة والعلوم الإنسانية والاجتماعية خاصة في تكوين معرفة حقيقية عن الغير، لأنها لو تمكنت فعلا من ذلك، المقصود أنه لو فعلا تمكنت سبر أغوار الذات المغايرة وبالتالي تكوين معرفة دقيقة حولها، لتمكن النوع البشري من تجاوز هذه السلوكات البربرية.

 

– مناقشة خارجية (موقف إدموند هوسرل)

 

حسب إدموند هوسرل يمكن معرفة الغير، فالأنا تتعرف على الغير لا بوصفه موضوعا أو بوصفه ذاتا مستقلة عن الأنا، بل تتعرف عليه بوصفه ذاتا تشبهها وتختلف عنها في نفس الوقت، فالغير يوجد مع الأنا في العالم ويشترك معه مجال العيش المشترك، وعن طريق التوحد به حدسيا، أي عن طريق أخد مكانه وعيش تجربته يصبح أنا هو وهو أنا.

 

4 – تركيب: 

وخلاصة القول أن إشكال معرفة الغير أفرز وجهات نظر كثيرة، فمالبرانش عدّ عملية معرفة الغير غير ممكنة لأنها معرفة افتراضية قائمة على إصدار الأحكام انطلاقا من ذواتنا وإحساساتنا التي نعتقد أنها إحساسات متشابهة، في حين يعتبر إدموند هوسرل بأنه يمكن بناء معرفة حول الغير انطلاقا من تجربة التوحد الحدسي.

المراجع

philobasis.com

التصانيف

فنون  أدب  كتب