لنهارات الطويلة قضيتها لوحدي.. والليالي المسهّدة جرعتها وحدي.. في مشاكلي العويصة لم تفعلي شيئاً.. مرضت ولم تكوني إلى جانبي.. تمنيت أن أحظى بنظرتك الحانية.. لمستك الحميمة وأنت تجلسين قربي في المستشفى.. تبتسمين لي أو تبدين لي قلقك ومحبتك.. حملت ورقة التحويل ومضيت.. هل رأيت محكوماً بالاعدام.. يحمل مستند الحكم ويمضي بقدميه إلى الجلاد.. هكذا ذهبت.. وأنا لست مطمئناً لحالتي المرضية.. صعدت أو أصعدوني إلى الطابق الخامس.. فالحالات الخطيرة تكون معلقة بين الأرض والسماء.. لو كنت في نيويورك لأصعدوني إلى الطابق الخمسين أو السبعين.. فالسماء خلف الأتلنتي أقرب.. كان هناك شابان في الصالة.. وامرأة مسنة تأكل البسكويت وتبصق في لفافة تضعها بقربها.. جاءت الممرضة وتأكدت من الاسم والعنوان.. عشر دقائق قالت.. لو تأخرت ساعة لن أفتح فمي.. هم قالوا في رسالتهم.. اجلب معك كتاباً للتسلية.. وأنا جلبت معي كتاباً للقراءة.. لكنني لم أفتحه حتى الآن.. لأنني أنظر للمرأة وهي لا تنظر لي.. فكرت أنها مثل طفلة.. تعبر عن حاجاتها بشكل عفوي ومباشر.. يبدو أنها خارجة من صالة العملية.. فرأسها ملفوف بشاش جعل وجهها الأبيض يزداد بياضاً.. عينان خضراوان.. قامت تسير بتؤدة واستقامة دون تلفت.. تابعتها.. كانت هناك مغسلة لم أنتبه إليها.. قربها قنينة ماء معلقة للشرب.. أخذت قدحاً من بلاستك أبيض وملأته بالماء.. ملأته لآخره.. وعادت تنوء به بتؤدة أكثر.. وضعته على طاولة قريبة.. استدارت مثل كائن آلي.. وضعت مؤخرتها مقابل حضن الكرسي.. جلست وهي تنظر للأمام.. رفعت إستها قليلاً.. ثم دفعته للنهاية.. هكذا تحسّ بالأمان أكثر.. ربما بالدفء والطمأنينة.. أمتدت يدها اليسرى بحركة محسوبة وقربت قدح البلاستك من شفتها وعيناها تنظران نحونا.. هذه المرة وقعت علي وهي ترشف.. أخذت رشفة واحدة وأنا صرفت نظري في هذه اللحظة.. أعادت القدح إلى مكانه.. عدت لمراقبتها.. الكراسي التي نجلس عليها وثيرة ومن النوع الفاخر.. لها مساند عالية ومريحة.. ثمة طاولات عالية ورفيعة مصممة خاصة لتدخل بشكل جانبي مع الكرسي.. كانت واحدة قربي.. عليها علبة مناشف ورقية صغيرة.. أصغر علبة مناشف رأيتها في حياتي.. لكنني لم أعرها أهمية.. فقد فقدت لذة الاكتشاف والفضول منذ زمن.. لا جديد يجتذب اهتمامي.. الأشياء القديمة تحركني أكثر.. كلما تقدت نحو النهاية زدت التصاقاً بالبدايات.. من قال ذلك.. لا أدري.. لكنني الآن أعيش هذه المرحلة.. الوحدة تقضمني قضماً مثل تفاحة يابسة.. كل ثانية وكل دقيقة وكل ربع ساعة وثلث ساعة والنصف إلا خمسة والنصف وخمسة.. كل شيء يثقل على إحساسي حتى الزمن.. وأنت بعيدة.. بعيدة.. تقولين أنك تفكرين بي.. وتزعلين لأنني لا أفكر فيك.. وأنا كل ثانية وكل دقيقة وكل ربع ساعة وكل ثلث ساعة يقضمني رقاص الساعة وناقوس الكنيسة ونشرات الأخبار.. أفرح عندما يأتي الليل.. فينقذني من وحشة النهار.. وعندما أدخل الحجرة تفترسني عيون الجدران البيضاء.. أطفئ الضوء وأمضي للسرير فأشعر ببرودة الفراش.. هل تعرفين القائل.. أن أسرّة الوحيدين تكون باردة.. أفكر بك في لا وعيي .. وأفرح لأنك هنا.. في ذاكرتي وفي حياتي.. أتمناك جنبي اللحظة.. جسدي بارد وسريري بارد والحجرة باردة والنافذة باردة والجو بارد.. من قال أن الجو بارد.. فالشتاء في بدايته.. ولكني أحسّ بالبرودة.. في روحي وليس في جسدي.. روحي مثل فانوس منطفئ.. متى تأتين وتملأينه بالزيت.. ليشتعل.. ها.. متى .. متى تأتين.. ثم يتحول فرحي إلى غضب ويأس.. وأكرهك.. المرأة تجبر نفسها على احتساء القدح حتى النهاية مثل دواء.. لا أستسيغ ذلك.. لكنها تفعله.. هذا يدخل في برنامج الترشيق.. تملأ معدتها بالماء بدل الطعام.. لكنني لا أشتهي حتى الماء.. ربما لو التقيتها في الخارج.. رغبت في محادثتها.. هل هي إنسانة وحيدة مثلي.. يبدو سنّها مقارباً لي.. ولكن لو نزعت اللفافة عن رأسها.. تبدو أكثر شباباً.. وجهها جميل.. عيناها تحتفظان بجاذبية المراهقة.. ولكنها بدينة.. وعجيزتها عبء عليها.. هذه علامة الشيخوخة.. أو العادات السيئة.. أنها شرهة في الطعام.. تأكل في صالة العمليات.. تحتفظ بالأكل في حقيبة يدها.. شيء مقيت.. ماذا تفعل عندما تكون في البيت.. هي إنسانة وحيدة بالتأكيد.. تقتل شبقها بإدخال الطعام في فمها.. على العكس مني.. أقتل وحشتي بالجوع.. كل ملابسي واسعة عليّ.. وعجيزتي لا تستطيع الاحتفاط بالبيجاما.. ربما أستطيع أن أورثها عاداتي.. ربما تورثني عاداتها.. هذا ليس مهماً.. المهم البرودة .. أي شيء يكون مهماً.. لشخص لا يعرف سرّ مرضه.. خاصة عندما يكون في الرأس.. فحص الطبيب عيني وسمعي.. الممرضة حملت مطرقة خشبية ودقت على رسغي القدمين والمفاصل.. أمسكت سلكاً معدنياً.. تضرب به تارة على الجدار وتارة على نقاط محددة من جسمي وتقول.. إذا تحس قل نعم.. أقول نعم.. عندما لا أقول تعيد السؤال فأقول نعم.. تنهض المرأة بنفس الطريقة بعد أن دفعت عجيزتها للأمام وصارت قدماها تمسان أرضية الصالة.. نسيت أن أقول.. أنها عندما استوت على الكرسي.. - استوت بمعنى استقرت كما ورد في التفاسير-.. صارت ساقاها معلقتين تتدليان نحو الأسفل مثل غصنين ينوءان بالفاكهة.. حرّكت قدميها كالأطفال فسقط النعلان نحو الأسفل.. لماذا هي بيضاء إلى هذه الدرجة.. أصابعها وبيضة القدم ناصعة ومغرية.. لا بدّ أن زوجها كان يلثم قدميها أو يمتص بياضها في الليل.. ذهبت مسافة أبعد.. حسبتها تغادر الصالة.. قبل الباب توقفت.. داست برجلها على شيء فانفتح غطاء من الأعلى.. ألقت قدح البلاستك.. كان يقف إلى جانبها شاب طويل يرتدي قفطان العمليات الأخضر.. على رأسه طاقية خضراء.. يبدو أنه يتمتع بالاستراحة.. يراقب فقط.. المرأة تعود.. ليست لي رغبة في القراءة.. ولا في التحدث مع المرأة.. أو النظر إلى شاشة التلفزة.. نساء جميلات يتحدثن بإطراء عن كلاب بقربهن.. أنا لا أحب الكلاب.. ربما أقتني كلباً أنا الآخر.. الوحدة هي التي تجعل النساء يقتنين الكلاب.. بعد ذلك يبدونّ سعيدات.. مرحات.. نشيطات.. هكذا أراهنّ في البارك.. يلعبن مع الكلب.. يرتدين قفازات مثل قفازات الأطباء.. يرفعن برازه في كيس بلاستك ويحتفظن به في حقائبهن اليدوية.. فكرة الكلب تشغلني منذ مدة.. المرأة تفضل الكلب على الرجل.. وتحمله في حضنها مثل الطفل.. عينا المرأة لا تفارقان شاباً يجلس على يميني.. حادثته كذلك.. يدخل من الباب ذلك الشاب الذي كان في استراحة وبيده أوراق.. ينادي على إسم.. فأنهض.. أتجه إليه.. يصافحني.. يقول إسمه بسرعة لا ألتقط منها شيئاً.. يخرج فأتبعه.. في حجرة ثانية يوجد شخصان آخران يلبسان مثله.. يشرح لي طبيعة العملية.. احتمالات النزيف بنسبة عشرين في المئة.. احتمالات عودة الورم بنسبة اثنين بالمائة.. لا.. هذا لا يستحق الذكر.. وحتى لو عاد.. أعود إليكم.. هل لديك أية أسئلة.. أبتسم.. يطلب مني التوقيع على استمارة.. أوقع.. يطلب مني الاستلقاء على السرير.. أستلقي.. يلقون بقطعة قماشة خضراء سميكة على رأسي.. فأغمض عيني .. أحدهما كان يقف أمامي ويكلمني باستمرار في لعبة أعرفها.. ولكنني أجاريه.. والآخر يقف خلفي ويده تنبش في رأسي.. ومرتين أسمعه يقول .. مجرد بسيطة.. نغزتين بسيطتين.. يرنّ جهاز الهاتف رنيناً طويلاً.. أسمعه يرنّ.. وأتركه كذلك..
فتاة تجلس على ساقي شاب وتضغط شفتيها على شفتيه مدة طويلة فيبدوان مثل نصب حجري.. ينتفض الشاب فجأة ويدفعها بيده لأنها قطعت تنفسه.. الفتاة تعود تراوغه وتقبله على وجهه ورقبته.. شاب طويل يرتدي الجينز.. يرتدي نظارات ويدسّ يده داخل بنطال فتاة طويلة بجانبه من الخلف.. الفتاة أيضاً ترتدي الجينز وتسير ملقية رأسها على صدره وذراعها تلتف على خصره.. فتيات كثيرات يرتدين قمصان قصيرة هذا الصيف.. ونساء يستلقين على بطونهن على الحشيش.. شاب يحمل فتاته على كتفيه مثل طفلة وساقاها تتدليان أمام صدره وهي تتحدث بالهاتف الخلوي بلا انقطاع .. تحت الأشجار مناظر سيقان ملتفة على بعضها.. أحدهما يجعل من بطن الثاني وسادة ويقرأ في كتاب.. وأنا مع كل لقطة أفكر بك.. أجمع في نفسي كلاماً أقوله لك.. ماذا يقول يا ترى هؤلاء الشباب.. أغبطهم لأنهم يتحدثون كثيراً بلا ملل أو تعب .. عندما تأتين سأعود شاباً ونفعل مثل هؤلاء.. أم أنك تتظاهرين بالخجل.. وأزرع لولواتي بين اليأس والأمل.. واللو زرعو ما خضر.. بعيدة أنتِ كالنجوم.. والأيام طويلة وموحشة كالسجن.. تعبت من التفكير ومن الحلم والأمل والترقب.. صرت أقرب إلى الواقع وأكثر إحساساً باليأس.. سوف تأتين والشتاء قد حلّ.. لا نستطيع فيه الخروج ولا التنزه.. لن نرى أحداً ولن يرانا أحد.. ستقابلين وجهي في البيت وأقابل وجهك. تسألين عن الطبخ وأتحدث عن أخبار التلفزيون.. أحدثك عن حياتي في غيابك فتتحدثين عن أقاربك.. أنت لا تحبين حديثي في السياسة وأنا لا أريد أن أسمع شيئاً عن الطبيخ وعائلتك.. سأضيق بك.. وستضيقين بي.. لأنني أريدك أنت ولا أريد عائلتك.. أريد أن تتحدثي بلغة تدفئ العظام.. كي أشعر بك قريبة مني.. وتشعري بي جزء منك وليس مجرد إسم على ورقة أو ديكور اجتماعي .. لقد كرهتك.. لأنك لم تفهميني كما أنا.. وتريدينني قبولك كما أنتِ.. دون أن أشعر بك.. أشعر بعقدة من تذكر كلمة الطبخ.. ألا تجيدين شيئاً غير الطبخ.. شيئاً غير التنظيف والمسح.. ماذا عني.. وماذا عنك.. اجلسي قربي لأحدثك وتحدثيني.. تمددي قربي ومارسي غوايتك في جسدي لأحسّ بانتمائي إليك.. إلى متى تكررين نفس الكلمات.. ماذا أقول.. ليس لي شيء أقوله.. هذا الشيء لا أحبّه.. هذه الطريقة لا تعجبني.. أنا تعبانة.. أريد أن أنام.. أنام.. أنام.. ماذا .. تر..يد.. ين.. أنا أيضاً.. تعبت.. وأريد أن أنام.. أنام.. أنام.. ولكن.. من دونك.. من.. د.. و.. نك.
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب