السعادة أمر مهمّ ومطلبٌ عزيز، يشتركُ في إرادة تحصيله كلّ البشر؛ فينشدُه الغنّي والفقير، ويطلبه الطبيبُ والمريضُ، ويبحث عنه العالمُ وغيره، إنه كنزٌ ثمينٌ وجوهرٌ نفيسٌ، وأهمّ الأبواب في أساطير الأولين، تناولهُ الكتّاب والمفكرون، وتغنّى به الأدباء والشعراء، وخُصّص ببحوُث، ودراساتٍ، ونظر إليه كلّ واحد من منطلقه ورؤيته، وعقيدته ورسالته في الحياة، وتحدّث عنه الجميع ولكن قلّ من عرف سرّه.

قد بحثنا عن السعادة لكن 

 ما عثرنا بكوخها المسحور

أبدا نسأل الليالي عنها

 وهي سرّ الدنيا ولغز الدهور

والسؤال الذي يطرح نفسه بنفسه، يا تُرى: هل السعادة تمرّ عبر بوابة المال وبناء القصور وشراء الأسهم وامتلاك العقارات؟ أم أنّ هذا جزءٌ منها فقط؛ لأن النقود لا تحقق السعادة، إنها فقط تهدئ الأعصاب، كما نُسب إلى السيد جمال الدين الأفغاني.

وهل السعادة في الشهرة والتألق والإبداع والإنجاز وتحقيق الذات في مجال من المجالات؟ أم أنّ هذا جزء من السعادة المهنية والارتياح الوظيفي فقط؟

وهل السعادة في الزواج من امرأة تناسب أحلامك وتحبّها وتحبك وتجتمعان في الفكر والهدف، أم أنّ هذا جانب من جوانب السعادة الأسرية والاجتماعية، وليس كلّ السعادة؟

الحقيقة أن السعادة ليستْ في جمع المال وحده، وليست في التألق والشهرة بمفردها، ولا في بناء منزل الأحلام وعشّ الزوجية فقط؛ لأن هذه الأشياء ستصبح قديمة بمجرد الحصول عليها، ولأنّ الكثيرين ممن تحققت لهم هذه العناصر يعتبرون أنفسهم أشقياء وعلى درجة كبيرة من التعاسة والضياع والاضطراب - أعاذنا الله وإياكم -.

السعادة شيء معنوي لا يُرى بالعين المجردة، ولا يقاس بالكمّ، كما أنه لا يباع في السوق، ولا يفحص في المختبرات، إنه شعور داخلي، واطمئنان قلبي، وحالة نفسية ربما يحسّ بها فلاح أو راعي غنم وليس عنده من متاع الدنيا إلا قوت يومه، وفي المقابل لا يحسّ بها جرّاح الأعصاب ورائد الفضاء.

السعادة نعمة عظيمة ربّما يتقلّب فيها فقير أشعث أغبر مدفوع على الأبواب لو أقسم على الله لأبرّه، وقد لا يشعر بها ثريّ عاجز عن إحصاء ثرواته وحساباته وأسهمه وشركاته.

السعادة تنبع من القلب إلى الخارج، ثم ترتقي إلى التفكير السليم، وتظهر آثارها على الوجه والمنطق والتعامل والمواقف، فإن لم تقابلها في شعورك الراقي وإحساسك الجميل، وخيالك المبدع، وذهنك الوضاء، فلن تقابلها في بطون الكتب والتراث.

السعادة هي بنت الإيمان، وتكمن في أن تكون متصلا بالله تعالى، متقربا إليه بالعمل الصالح، متذللا له، مقتنعا بما قسمه الله لك، راضيا بقضائه وقدره، باكيا على الخطيئة، طالبا للحق والخير والفضيلة، مشتاقا إلى جنة عرضها السموات والأرض، وعندها ستشعر براحة البال، وطمأنينة النفس، وانشراح الصدر، رغم المشاكل التي تتعرض لها والعراقيل التي تأتي في طريقك إلى الله تعالى.

ومن علامات السعادة على العبد: تيسير الطاعة عليه، وموافقة السنة في أفعاله، وصحبته لأهل الصلاح، وحسن أخلاقه مع إخوانه، وبذل معروفه للخلق، واهتمامه للمسلمين ومراعاته لأوقاته، كما نقل الشاطبي رحمه الله (الاعتصام: 1/70).

ومن مقومات السعادة موافقة الباطن مع الظاهر، والحب في الله، وطيب الكلام، والتزام الذوق والوقار، والمروءة والكرم، والتنعم بالعافية في البدن والأمن والأمان في الوطن. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن أصبحَ منكم آمنًا في سربِهِ، مُعافًى في جسدِهِ عندَهُ قوتُ يومِهِ، فَكَأنَّما حيزت لَهُ الدُّنيا» (صحيح الترمذي).

قال صفي الدين الحلي:

إن كنت تسعى للسعادة فاستقم 

  تنل المراد وتغدُ أول منْ سَما

السعادة تبدأ من التزام العبودية لله تعالى «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ» الذاريات:56. فمن أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (مدارج السالكين: 1/439).

 والقرآن الكريم هو الطريق الموصل للسعادة، «طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى» طه: 1-2

أما الجنة فهي منتهاها «وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» هود: 108

يقول النابغة الجعدي:

بَلَغْنَـا السَّمَـاءَ مَجْـدُنَا وَجُدُودُنَا 

  وَإنَّـا لَنرْجُـو فَـوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرَا

شمعة أخيرة:

قمة السعادة الحقيقية في التعلق بالله تعالى، والقناعة بما قسمه لك، وأن تنام مرتاح الضمير وليس لأحد مظلمة عندك، لا تبحث عن السعادة بعيدا، ابحث عنها في نفسك الراضية، وتفكيرك المبدع، وخيالك الجميل، وفي إرادتك المتفائلة، وفي قلبك المشرق بالخير، إنها مثل النظارة التي تبحث عنها بعيدا وقد تكون على عينيك كما يقول تولستوي.

 

<

المراجع

akhbar-alkhaleej.com

التصانيف

قصائد   الآداب   قصة