أمسيْتُ أقرأُ ما أُريدُ وأكتبُ
|
ويدي على الكلماتِ بابتْ تدأَبُ
|
كلُّ الحروفِ عرفْتُها ، ونظمتُها
|
جملاً سيقرؤُها الصّديقُ ويطربُ
|
وأعدْتُ أيَّامي التي أَودعْتُها
|
زمنَ الطفولةِ ــ ويحها ــ كم تعذبُ | |
|
أرأيْتَ أُمِّيًّا أفاقَ ، وشدَّه
|
حبُّ التَّعَلُّمِ ، والتَّعلُّمُ مركبُ | |
|
فمضى بخطوٍ ثابتٍ لـم يُثْنِه
|
كبرٌ يلازمُه ، وشعرٌ أشيبُ | |
|
يحدوهُ إنْ ذهبَ النَّهارُ بشمسِه
|
ليلٌ بأوَّلِه المعارفُ تطلبُ
|
وأتى الضِّياءُ بأنسِه وبعلمِه
|
وبدا بيسؤدُدِه فأدبرَ غيهبُ
|
ورضيتُ دنياهُ الكريمةَ إنَّه
|
ما أبتغي في غدوتي أو أرغبُ
|
إنِّي أنا الأميُّ نادتْني العلى
|
هيهاتَ ينكرُها الفتى المتوثبُ
|
لبَّيْتُها ، وأتيتُ أستسقي الهدى
|
فلديهِ للقومِ الظِّماءِ المشربُ
|
فالعلمُ أسمى غايةٍ تُرجَى . فَمَنْ
|
لفخارِه طولَ المدى لايطلبُ | |
|
ولقد كفاني مامضى من غفلةٍ
|
وعن التَّعَلُّمِ ــ ويحني ــ أتنكبُ
|
وأسيرُ كالأعمى ، فما أدري لمَن
|
هذي الكتاباتُ الجميلةُ تُنسَبُ | |
|
حسبي سؤالُ الناسِ عمَّا أبتغي
|
وأظلُّ من وهمٍ طغى أتهيَّبُ
|
واليومَ أقرأُ ما أراهُ كأنَّني
|
أبصرْتُ من بعدِ العمى ما يُحجبُ
|
كم ذا أسِفتُ على زمانٍ لم تزلْ
|
في الحلقِ غصَّتُه تجيءُ وتذهبُ | |
|
إذْ فاتني ركبُ التَّعلُّمِ ، وانقضى
|
عهدُ الشَّبابِ ، وعمرُنا يتقلَّبُ | |
|
وجلسْتُ والآهاتُ تنبئُ أنَّه
|
غيري تَعَلَّمَ إذْ جفاني الموكبُ
|
هاهم أُصَيْحابُ الطفولةِ إنَّهم
|
صاروا رجالاً شأوُهم لايُركبُ
|
بالعلمِ قد نالوا المراتبَ ، وارتقوا
|
أمَّا أنا فمع الجهالةِ ألعبُ
|
أسفي في على نفسي أضعْتُ فخارَها
|
والفخرُ في القيمِ الرفيعةِ يُطلبُ
|
كم قيل لي : هذي المدارسُ أشرعتْ
|
أبوابَها ، فعلامَ منها تهربُ | |
|
والعلمُ نورٌ ، والجهالةُ ظلمةٌ
|
والقلبُ من نبعِ التَّعلُّمِ يشربُ
|
كم من أخٍ ، وأبٍ أتاني ناصحًا
|
وأحبتي ــ واحسرتي ــ كم أسهبوا | |
|
لكنَّني ماكنتُ أسمعُ نصحَهم
|
بل كنتُ ــ واأسفي ــ عليهم أغضبُ
|
حتَّى فُجعتُ على أذى أُمِّيَّةٍ
|
ممقوتةٍ منها المثالبُ تُحربُ
|
فقضيْتُ أيَّامي بمهمهِ وحشةٍ
|
وعليَّ كلُّ سهامِها ا تتألَّبُ
|
أميَّةُ الإنسانِ تلغي وعيَه
|
وتردُّ مَن لِسُمُوِّه يتأهبُ
|
فهي القيودُ المثقلاتُ لسعيِه
|
وبها المآخذُ إنْ سعى والمثلبُ
|
فالجهلُ والأميًَّةُ انكفأَ العَلا
|
بهما ، فدربُهما : العنا والغيهبُ
|
ومَن ارتضى هذين أدركَ فيهما
|
ماكانَ ــ ويكَ ــ عليهما يترتبُ | |
|
ويرى بسوقِهما التَّبارَ لرفعةٍ
|
تُرجَى لأربابِ العقولِ وتُرغَبُ
|
منحَ الإلهُ ــ وجلَّ في عليائه ــ
|
نورَ الحِجى للناسِ نعمى توهبُ
|
وأمدَّ كلَّ الخلقِ من لألائها
|
فمباعدٌ ــ عن خيرِها ــ ومقرِّبُ
|
أُمِّيَّةٌ : ومضتْ مساحبُ ليلِها
|
والجهلُ ــ بالعلمِ المُحفِّزِ ــ يغربُ
|
كانت لأمتِنا شعارًا ، وانطوتْ
|
وإذِ الأناملُ غاديات تكتبُ
|
وأتى الهدى ، والعلمُ فيه فريضةٌ
|
وعلى الهداةِ الصِّيدِ ما يتوجبُ
|
جعلوا المساجدَ والبيوتَ مدارسًا
|
وإلى ينابيعِ العلومِ تواثبوا
|
واستفتحوا بالنُّورِ منهجَ سعيهم
|
إنْ شرَّقوا ــ بين الورى ــ أو غرَّبُوا
|
وإذِ الأعاربُ سادةُ الدنيا ، وإذْ
|
لِعلاهُمُ في كلِّ أُفْقٍ كوكبُ
|
وبه ارتدى الأميُّ أجملَ حلَّةٍ
|
ولعلها من قومِنا لاتُسلَبُ
|
هاهم كبارُ السِّنِّ لمَّـا جاءهم
|
ركبُ التَّعلمِ ــ قبلُ ــ هم لم يركبوا |
عادوا وبالصَّبرِ الطويلِ تعلموا
|
واليومَ وافاهم ــ وربِّكَ ــ مركبُ
|
وإذا بشيخٍ جاوزَ الخمسينَ في
|
ثوبِ الشَّبابِ ، وعزمُه لايُغلبُ
|
ويقولُ ، والأملُ الوريفُ يُظلُّه
|
قد نلْتُ من فيضِ الضِّيا ما أرغبُ
|
واليوم والأقلامُ تملأُ جعبتي
|
والدفترُ المحبوبُ فيه أكتبُ
|
ووجدْتُ نفسي قارئًا أو كاتبًا
|
ولئن سُئِلتُ فبالإجابةِ أُطنبُ
|
فرفعْتُ شكري للإلهِ مع الثَّنا
|
فمعلِّمٌ ربي الكريمُ مؤدِّبُ
|
جلَّ الذي جعلَ التَّعلُّمَ واجبًا
|
وأثابَ مَنْ لطريقِه يتحببُ
|
فالعلمُ يحيي مايبورُ من النُّهى
|
كالماءِ في قفرِ البسابسِ يُسكَبُ
|
فإذا به يفترُّ أخضرَ زاهيًا
|
وإذا بأكنافِ الأباطحِ تعشبُ
|
ولَّى الأُوامُ ، وطيَّبتْ أفنانَها
|
بيدِ البهارةِ إذ تفوحُ وتُخصبُ
|
والمرءُ زينتُه العلومُ ، ومنطقٌ
|
عذبٌ به يملي الحديثَ ويُطربُ
|
يهفو لأعلاقِ اللآلئِ نُضِّدتْ
|
قولا بليغا بالفصاحةِ يُعربُ
|
يُغني من العلمِ المفيدِ يراعَه
|
فبَنانُه ليراعِه تتحبَّبُ
|
يتلدَّدُ الأميُّ في إقدامِه
|
وتراه رغمَ شبابِه يحدودبُ
|
لكنَّه بالعلمِ يُهرعُ فارعًا
|
يعدو ، وتلحفُه المآثرَ هيدبُ
|
قد بارك الرحمنُ بالعلمِ الذي
|
يجنيه من بستانِه المتأدبُ
|
وبه يعيشُ مكرَّمًا في قومِه
|
وبه عليهم بالمنافعِ يُحدبُ
|
ونبيُّه الأُميُّ جاءَ معلمًا
|
للعالمين ، وهديُه لايغربُ
|