من
الحقائق التي حملها إلينا التاريخ , وسرت مسرى الأمثال قولهم " العرب أمة شاعرة " ,
وكذلك قولهم " الشعر ديوان العرب " . ولا مبالغة في ذلك : فالشعر هو الذي حفظ
تاريخهم , وأيامهم, ومسيرة حياتهم.
لقد قال ابن المعتز في حديث له عن القلم : " القلم مجهِّز لجيوش الكلام , يخدم
الإرادة ولا يمل استزادة , يسكت واقفا , وينطق سائرا , على أرضٍ بياضها مُظْلم ,
وسوادها مضيء ... "
ويقصد ابن المعتز بالأرض ذات البياض المظلم : الصفحات البيضاء التي تخلو من علم
يخطُّه القلم , فلا تحمل بياضها إلا ظلام الجهل , أما السواد المضيء , فهو سواد
الحبر , تصوغه الأقلام على بياض الصفحات علوما وحقائق , تنير الطريق , وتغذي العقول
والأرواح , وتنهض بالأفراد والأمم .
ومن
عجب أن يأتي المفكر الغربي الشهير : ول . ديورانث فيردد فكرة ابن المعتز فيقول " إن
شمس الحضارة لا تشرق إلا من سواد الأوراق " . الدقائق التالية فلنعش هذه الحلقة من
برنامجنا (ديوان العرب ) مع القلم ... القلم بسواده المضيء , لنرى ماذا قال فيه
الشعراء :
إن
الشاعر أبا الفتوح البستي يرى أن القلم أشرف وأعظم من السيف , ويعلل رأيه هذا إذ
يقول :
إذا
أقسم الأبطال يوما بسيفهم وعدوه مما يكسب المجد والكرم
كفى
قلمَ الكتاب عزا ورفعة مدى الدهر أن الله أقسمَ
بالقلم
وهو يقصد بذلك قوله تعالى " نون . والقلم وما يسطرون
" .
ونقرأ في أول ما نزل من القرآن " .. اقرأ وربك الأكرم ,
الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم " .
وقد قال القدماء " العلم علمان : علم الصدور ، وعلم السطور ، ولولا السطور ، ما
وعت الصدور " فالعلم المكتوب هو أساس أبقى وأخلد مما يُنقل شفاهة على الألسنة .
إن القلم هو ترجمان النفس , والناقل الأمين لما يجول في الخواطر .. يقول الشاعر
علي محمود طه :
من
عبراتي صُغتُ هذا المقال ومن لهيب الروح هذا القلم
ملأتُ منه صفحات اللَّيالْ فحملت كلَّ
معاني .. الألمْ
ويقول ابن نُبَاتَة السعدي عن القلم :
يرنو إلى الأفكار غَير مُلاحظ ويخاطبُ القرطاسَ غير مُحابي
ويعلِّم الآداب أفهامَ الوَرَى وفـؤادُهُ
صِـفْرٌ مـن الآداب
ويقال " ربُّ السيف والقلم " لمن جمع بين صفة الجندية , والموهبة الشعرية أو
الأدبية , ولعل أشهر هؤلاء في العصر الحديث محمود سامي البارودي باعث النهضة
الشعرية في العصر الحديث , وأحد قادة الثورة العرابية .
ولكن ابن الرومي يشيرنا إلى معنى بارع طريف , وهو يصور قدرات القلم وإمكاناتِه ,
فهو أقوى من السيف , بل أقوى من الموت نفسه . ويقول ابن الرومي
:
إن يخدم القلمَ السيفُ الذي خضعت
فالموت - والموت لا شيء iiيغالبهُ
كـذا قـضى الله للأقلام مُذ iiبُريتْ |
|
لـه الـرقاب , ودانت خوفه الأممُ
مـا زال يـتبع ما يجري به iiالقلم
أنَّ الـسـيوف لها مُذ أرهِفَت خدمُ |
وعلينا أن نشير إلى أن القلم الذي عرفه العرب , ومَجَّدوه في شعرهم : كان يصنع من
نبات البوص , ويبري من أحد طرفيه بطريقة معينة , وهو ذلك النوع الذي يستخدمه
الخطاطون في وقتنا الحاضر . وما تحدث شاعر عن " القلم " إلا وشخَّصه بمنحه صفات
وملامح إنسانية : من فهم وإدراك وقوة وقدرة .
ونرى المتنبي يبرز ما في القلم من " مفارقات " :فهو النحيف القوي , وهو لا يجري
إلا على رأسه , وقطع ما حفى منه يزيدهُ قوة وسرعة في جريه على الصفحات التي يُسوَّد
بياضها , ويسمع خواطر صاحبه ويسجلها , فهو بذلك أقدر من البشر . يقول المتنبي :
نحيف الشَّوى يعدُو على أُم رأسه ويحفَى فيقوي عدوُهُ حين يُقطعُ
يمُجُّ ظلاما – في نهار – لسانُهُ ويَفهَمُ عمن قال ما ليس
يُسمعُ
وعن
القلم يقول الشاعر محمود بن أحمد الأصبهاني :
أخـرس يُـنـبـيك iiبإطراقه
يُـذري عـلى قرطاسه دمعة
كـعـاشق أخفى هواه . iiوقد
تُـبـصـره فـي كل iiأحواله
يُـرَى أسـيرا في دواةٍ . iiوقد
أخـرقُ لـو لـم تَبْرِه لم يكن
كـالبحر إذ يجري , iiوكالليل |
|
عـن كـل ما شئت من الأمر
يُـبدي بها السر ، وما iiيدري
نـمَّـت عليه عبرة .. iiتجري
عُريان يكسو الناس أو iiيُعري
أطـلَـقَ أقـوامـا من الأسر
يـرشُـقُ أقواما , وما iiيَبْري
إذ يَغشَي , وكالصارم إذ يفرِي |
فالقلم هو الأخرس الناطق , وهو الكتوم البائح , وهو العريان الكاسي . وهو الأسير
المحرر .
ويرى أحمد بن عبد ربه : أن من أهم سمات القلم أنه لا يعرف النفاق , ومن ثم كان من
حق الصحف أن تفخر به وتزدهي . يقول الشاعر :
يخاطب الغائب البعيد بما يخاطب الشاهد الذي حضرا
مهفهف تزدهي به صحف كـأنـما حـليت به دررا
إن
ما عرضه علينا ديوان العرب من أشعار قدمناها , إنما كانت في تصوير ملامح القلم
وآثاره – بصفة عامة , دون تحديد قلم معين . ولكن ديوان العرب يزودنا بمزيد من
الأشعار نظمت في أقلام خاصة " افتن الشعراء في مدحها , وهم في الواقع إنما يمدحون "
صاحب القلم " من خلال قلمه . فابن المعتز يقول في قلم
الوزير : القاسم بن عبيد الله :
قـلـم مـا أراه أم فـلكٌ يجـ
خـاشـع فـي يديه يلثم iiقرطا
ولـطيف المعنى , جليل iiنحيف
كم منايا , وكم عطايا, وكم حتـ
نـقـشَـتْ بالدجى نهارا فما أد |
|
ري بـمـا شاء قاسم ويسير ii؟ |
سـا , كـما قبَّل البساط iiشكور
وكـبير الأفعال , وهو iiصغير
فٍ وعـيش تضم تلك السطور
رِي أخَـطٌّ فـيـهن أم iiتصويرُ
|
أما أبو تمام فيقول في قلم " محمد بن عبد الملك الزيات "
:
فـصـيحٌ إذا ما استنطقتَه وهو راكب
إذا ما امتطى الخمس اللِّطاف وأفرغت
أطـاعـتهُ أطراف القنا , iiوتقوَّضت |
|
وأعـجـم إن خـاطـبتَه وهو iiراجلُ
عـلـيـه شعابُ الفكر وهى iiحوافلُ
لـنجواه – تقويضَ الخيامِ – iiالجحافلُ |
إن
" ديوان العرب " حافل بالكثير والكثير مما قيل في القلم من أشعار , وكلها تلتقي في
إبراز قيمته , وخطورته , وآثاره الجليلة في نشر العلم والفكر , وبناء الحضارة ,
والبَوْح عما في النفس من خوالج وخواطر , وتوجيه الأوامر , وتسيير الأمور ...,
وإلى اللقاء في حلقة جديدة من ديوان العرب .
