تسخير الأرض لعيش الإنسان

بدأ تاريخ الأرض و المجموعة الشمسية بسحابة سديمية Premordial Nebula ضخمة مكونة من غازات و غبار كوني . وقد نشأ في مركز السديم دوامة كبيرة أدت إلى تدافع مادة السديم نحو داخله فيما يعرف بالانكماش الجذبي Gravitational Attraction ثم استمر انكماش السديم فازداد الضغط و الحرارة في جوفه إلى أن بلغا ما يكفي لبدء تفاعلات نووية أشعلت الهيدروجين فأضاءت شمسنا الوليدة .

و أصبحت هذه الشمس الوليدة خاضعة لقوتين متعادلتين هما الطاقة الحرارية المتولدة في جوفها التي تحاول أن تزيد حجمها و الانكماش الجذبي الذي يحاول أن يقلص حجمها . فاستقرت شمسنا و ما زالت إلى يومنا هذا . نذكر هنا أن معظم مادة السديم الأولى استعملت في تكوين الشمس . وقد حدث بعيد ذلك دوامات صغيرة جدا في أطراف السديم المتبقية أدت إلى نشوء الكواكب التسعة المحيطة بالشمس . و نظرا لصغر حجم السديم المكون لهذه الكواكب لم تصل درجة حرارة جوفها مبلغا كافيا لبدء التفاعلات النووية فبقيت الكواكب أجساما باردة غير مضيئة . و يبدو أن الأرض و الكواكب القريبة من الشمس قد خضعت في أثناء تكاثف سديمها الأولي لفعل الرياح الشمسية التي طردت بعيدا الغازات المكونة للسديم . و بقيت العناصر الأكثر ثقلا و كذلك دقائق الغبار الكوني التي تجمعت فشكلت الأرض الصلبة أو الصخرية . غير أن مئات الملايين الأولى من عمر الأرض قد شهدت عمليات تفاضل و تمايز في المواد المكونة للأرض كالنشاط البركاني الشديد . أدى هذا التفاضل إلى تركيز العناصر الثقيلة كالحديد و النيكل في لب الأرض بينما تجمعت العناصر الخفيفة والكبيرة النوى نحو قشرة الأرض كالبوتاسيوم و الصوديوم والألومنيوم وغيرها . وقد أدى كل ذلك إلى أن تتكون الأرض الصلبة من مجموعة من الطبقات المختلفة التركيب المتمركزة حول بعضها بعضا . و سنفصل القول في هذا الأمر لاحقا . غير أنه لن يفوتنا أن نذكر أن عمر الأرض 4 . 6 بليون سنة . و قد حدد هذا العمر بالنظائر المشعة .

نشأت البحار و المحيطات تدريجيا و ليس دفعة واحدة . و الرأي مستقر الآن على أن مياه البحار و المحيطات مصدرها بخار الماء المصاحب للاندفاعات البركانية . و يبدو أن مرحلة النشاط البركاني و التفاضل المبكرة قد أدت إلى خروج كميات كبيرة من بخار الماء من جوف الأرض تكاثفت و هطلت و تجمعت في المنخفضات مشكلة البحار و المحيطات . و ما زالت هذه العملية مستمرة . يتضح من ذلك أن مياه البحار والمحيطات كانت عذبة في البداية ثم أصبحت مالحة مع مرور الزمن بسبب ما تجلبه الأنهار إليها من أملاح من اليابسة . أما غلاف الأرض الجوي فله قصة أخرى . فقد قلنا قبل قليل أن الرياح الشمسية قد طردت الهيدروجين من السديم الذي كو ن الأرض في أثناء تكاثفه . ثم جاءت مرحلة النشاط البركاني الشديد التي دفعت بكميات كبيرة من الغازات إلى جو الأرض أهمها بخار الماء الذي هطل مكونا مياه البحار كما قلنا . و أصبح هواء الأرض مكونا من غازات مثل كبريتيد الهيدروجين و الأمونيا و الأرغون و الهيليوم و النتروجين و غيرها . لاحظ أن الأكسجين الحر غير موجود في هواء الأرض في هذه المرحلة . فكان جو الأرض مرجعا أو مختزلا Reducing . كانت الأشعة فوق البنفسجية تصل إلى سطح الأرض إذ لم يكن في غلاف الأرض ما يمنعها من الوصول . و قد فككت أو تفاعلت هذه الأشعة عالية الطاقة بعض أكاسيد الغازات كبخار الماء مثلا محررة ذرات الأكسجين إلى الجو . غير أن هذا الأكسجين الحر كان يستهلك بسرعة من الغازات المختزلة . دعنا نسمي هذه المرحلة مرحلة التمثيل الكيميائي Chemosynthesis .

و قبل قرابة 3500 مليون سنة بدأت كائنات حية كالبكتيريا بالوجود على الأرض . هذه الكائنات لا تحتاج الأكسجين الحر في عيشها بل تأخذه من عمليات كيميائية . و ما زال مثل هذه الكائنات موجودة حتى الآن في الأرض . غير أن أهم ما كانت تقوم به أنها كانت تأخذ ثاني أكسيد الكربون من الجو لتصنع غذائها في عملية التمثيل الضوئي Photosynthesis و تطلق الأكسجين الحر . استمرت هذه الكائنات في نشاطها هذا فترة طويلة من الزمن حتى قرابة 2000 مليون سنة من الوقت الحاضر . و كانت كمية الأكسجين الحر التي أنتجتها بالإضافة إلى التركيب الكيميائي كافية لإزالة جميع الغازات المختزلة الموجودة في جو الأرض . فظهر الأكسجين الحر في الغلاف الجوي منذ ذلك الزمن وتزايد إلى أن أصبح كما نعرفه اليوم . أدى وجود الأكسجين الحر في هواء الأرض بعد حين إلى ظهور الكائنات الحية التي تحتاج الأكسجين . غير أن الحياة بأشكالها المتعددة الوفيرة لم تظهر إلا قبل قرابة 550 مليون سنة مضت . و منذ ذلك الزمن و الحياة في تغير و تنوع في البحار و على اليابسة . و قد توج ذلك جميعه بظهور الإنسان على الأرض قبل و قت قصير جدا من الوقت الحاضر بالنسبة لتاريخ الأرض الطويل .

بقيت واحدة . و هي أن الأرض عبر تاريخها الطويل قد شهدت عمليات جيولوجية نتج عنها تكوين خامات المعادن كخامات الحديد و الذهب و الرصاص و الماس و الفوسفات و غيرها كثير . و تكونت أيضا مصادر الطاقة الأحفورية كالبترول و الغاز و الفحم الحجري و الصخر الزيتي . هذه الخامات بأشكالها و أنواعها استغرقت زمنا طويلا يقاس بملايين السنين حتى تكونت و تركزت . و هي قد نشأت قبل الوقت الحاضر بعشرات أو مئات أو آلاف ملايين السنين . و هي ثروة الأرض التي تقدمها للإنسان الذي جاء متأخرا ليستفيد منها تنمية بيئية واقتصادية . تأمل عزيزي القارئ طول الزمن الذي مرت به الأرض و العمليات الطبيعية التي جرت عليها لتصبح مؤهلة لأن يتبوأها الإنسان فيعيش على سطحها عيشا هانئا كريما . و هو مصداق قول الله جلت قدرته " هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها و كلوا من رزقه " [ الملك : 15 ] " و سخر لكم ما في السموات و ما في الأرض جميعا منه " [ الجاثية : 13 ] صدق الله العظيم . و برغم ذلك كله ففي الأرض أخطار طبيعية تتهدد الإنسان  مثل الفيضانات و الأعاصير و التصحر و الزلازل و البراكين و الأخطار الكونية .


المراجع

drahabdullah.wordpress.com

التصانيف

الانسان والبيئة  بيئة   العلوم البحتة   العلوم التطبيقية