لغة الرصاص

مهيب النواتي



من جديد عادت لغة الرصاص لتفرض مفرداتها على لغة القلم والعقل, صباح اليوم سقط الصحفي اللبناني سمير قصير, ضحية لمفردة من مفردات قاموس الرصاص" التفجير ".

قد يكون الراحل سمير قصير في نظر من قتلوه غدرا معارضا, وقد يكون لدى البعض الآخر مواليا, وقد يكون عند آخرين محرضا لمبادئه, لكنه أولا وآخرا هو صحفي, كل ما كان يملكه هو قلم وورقة, ومفردات لغتنا العربية الجميلة, لغة القران, لغة أسست لحضارة سادت كثيرا قبل أن تتراجع بفعل مفردات لغة أخرى هي لغة الرصاص.

مفردات لغة الرصاص على اختلافها وتنوعها, من تفجيرات, وسيارات مفخخة, وعبوات ناسفة, وقنابل موقوته, وطرود مفخخة, وإطلاق نار, حصدت الكثير من الإعلاميين العرب والعالميين, خاصة أولئك الذين رفضوا أن يساوموا على أقلامهم ومدادهم, وقد نفهم أن يستخدم الاحتلال أيا كان مكانه هذه المفردات لقمع وقتل وإسكات صوت الصحفيين الأحرار الباحثين عن الحقيقة, مثلما حدث مع الشهيد طارق أيوب وغيره الكثيرون من إعلاميي العالم عربا وأجانب, ولكننا لا نفهم أن يستخدم مفردات هذه اللغة القاتلة أبناء جلدتنا, وأبناء وطننا.

في غزة لم نفهم قبل عام وأكثر كيف قتلت رصاصات غادرة الصحفي خليل الزبن, واعتقد أن اللبنانيين لن يفهموا كيف يمكن أن تقتل قنبلة موقوته أو عبوة ناسفة سمير قصير صباح اليوم.

لا شك أن لغة الرصاص بمفرداتها لغة قوية لان لها هدف واحد هو القتل وإشاعة الدمار والخراب والموت, أما لغة الصحفي فهي لغة ضعيفة أمام قوة لغة الرصاص. لكن الذي قد لا يفهمه من يتحدثون بلغة الرصاص أن إرادة الصحفي الهادفة إلى تحقيق العدل وإبداء الرأي وفرض الحرية أقوى بكثير من رغبة الموت التي تتملكهم.

ولأننا نقدر ما قاله الشاعر مظفر النواب " ليس بين الرصاص مسافة " فإننا نقول لصناع الموت أن المسافة بين حلمنا الواعد كإعلاميين وبين حقدكم الداكن مسافات شاسعة, إنها مسافة البعد على قدرها.

هنيئا لك يا سمير قصير نهايتك الرائعة, لأنها نهاية المحارب, الذي فرض قانونه على قانون الغاب وشريعتها, هنيئا لك حلمك في لبنان حر, وهنيئا لنا حلمنا في أن نظل كإعلاميين وصحفيين ذلك الوقود الذي ينير طريق امتنا إلى الحرية.

رحلت غدرا, ولم تقرر لا زمان ولا مكان رحيلك, لكن صداك تردد بقوة فاقت ملايين المرات قوة الانفجار الذي استهدف إسكات صوتك.

المجد والخلود لكل الأصوات الحرة, والخزي والعار لكل مفردة من مفردات لغة الموت, واللعنة الأولى والأبدية, لغة الرصاص.

المراجع

pulpit.alwatanvoice.com

التصانيف

شعر  أدب