ساعةٌ ذاكرة
أنس إبراهيم الدّغيم
جرجناز/معرّة النعمان/سوريا
((
ألا بذكرِ الله تطمئنُّ القلوب ))
أيها المسلم : لايزالُ لسانُكَ رطباً بذكر الله ، فإنّ ذِكرَ الله هو السّرُّ
الذي يمدُّ قلبك بالطاقة و أوصالَكَ بالحياة و قبرَكَ بالسّعة و ميزانَكَ
بالحسنات و آخرتَك بالجنّة .
و ليكنْ قلبُك مهبطاً لشهود خالقك ، و لتكنْ روحُك منـزلاً لوارداتِ الحضورِ
و الحبّ .
يقول محمّد إقبال رحمه الله في ديوانه ( و الآن ماذا نصنعُ يا أمم الشّرق ؟)
:
( و اعلم أن الحياة الكريمة تبدأ من حرارة ذكر الله
، و العيشة الرّاضية لا تتأتّى إلا بحرارة ذكر الله و الثقة بنصره ، فلا سبيل
إلى الحريّة إلا بنقاء الفكر من همزات الشّياطين و إغراء المفسدين ، و عفّته
من أدناسِ الشّرك و صفائهِ من أثر الاستعمار ) .
و إنّ في ذكرك لله استحضاراً لحبّ الله في قلبك ، و طمأنينةً تغشى طوايا
القلب و حلاوةً تغمر الجوارح .
و لن يبرأ القلبُ من النـزغات و تصفوَ الرّوحُ من النّـزعات إلا بذكر الله
عزّ و جلّ ، فاجعلْ من وقتكَ خميلةً فيها أشجارُ الذّكر بواسقْ ، و أثمارُ
التّسبيحِ يوانعْ ، و أزهارُ التّكبير و التّهليل روائعْ ، و أريجُ الحمدِ و
الشّكر سابقْ .
يقول سيّد قطب رحمه الله في الظّلال :
( لا بدّ من فتراتٍ ينخلعُ فيها القلبُ من شواغل
المعاشِ و جواذب الأرض ، ليخلوَ إلى ربّه و يتجرّدَ لذكره و يتذوّقَ هذا
الطّعمَ الخاصّ للتّجرّد و الاتّصال بالملأ الأعلى و يملأ قلبَه و صدرَه من
ذلك الهواء النّقيّ الخالص العطر و يستروح شذاه ) .
و كما يطيبُ الذّوقُ بجنى الأثمار آنَ القطاف ، و تطيبُ النسائمُ بتراتيل
الحمائم ، و تميدُ الأغصانُ إذا عرَضتْ بها الرّقائقُ اللّطاف ، كذلك يفعلُ
ذكرُ الله فعلَهُ في القلوبِ إذا مرَّ بها و طاف .
تُجتلى الأنوارُ من مضامين الغيوب ، و تستقرُّ أوصافُ الجمالِ و أطيافُ
الجلال في زجاجاتِ القلوب .
تختلبُ العيونَ شاهداتُ الهدى ، و تنسابُ في الجوارح فصولُ النّدى ، و تجذبُ
الأرواحَ عائداتُ التّقوى ، و تسكرُ النّفوسَ هاتفاتُ النّجوى ، فتطربُ
القلوبُ و كأنّها أُحلّتْ دارَ المُقامة من فضله ، و تنتشي الأرواحُ و كأنّها
أُدخلتْ جنّةَ المأوى .
فالهدايةُ سِدرُها مخضود ، و العنايةُ طلحُها منضود ، و الرّحمةُ ظلُّها
ممدود ، سَألتِ القلوبُ فاستُجيبت الأمانيّ ، و طلبتِ الأرواحُ فبُثّتْ على
رفوفِ العطاءِ الزّرابيّ .
و طارتْ بالخواطر الأشواق ، و غابت في خيال محبوبها الأذواق ، فاليدُ
البيضاءُ حاضرةُ العطاء ، و كأسُ السّرورِ دهاق .
هنا صار العذابُ عذباً و صار العذبُ أعذب ، و كان رَبعُ النّور ما أقصاهُ ،
صارَ الرّبعُ أقرب ، و تهادى رَوْحُ النّعيم في مطارفِ الرّوحِ و تشعّب ،
فبأيّ آلاءِ الإله يُكذّب ؟
صحّ بالفقر الغنى ، و قوبلتْ بالقَبولِ المُنى ، و نادى بالأرواحِ هاتفُ
الرّحمن قائلاً ( ثمّ دنا ) .
شهداءُ عِرفـانِ الهدى شهداءُ دمُهم على أكفـانهم عُرفاءُ
فـإذا حَيوا فبذكره و إذا همُ مـاتوا ففي فردوسهِ أحياءُ
فكأنّما نشرُ الشّذا من نشرهم وكـأنّهم في غـيرهم آلاءُ
