عدنان عون
حين انجلت المعركة الرهيبة في احد عن شهداء سقطوا واخيار اصيبوا وقف رسول الله صلى
الله عليه و سلم امام جثمان عمه حمزة – سيد الشهداء- تترقرق الدموع في عينيه ويتجسد
الالم و الحزن في وجهه، ويقول مخاطبا عمه : " لن أصاب بمثلك ابدا و ما وقفت موقفا
قط أغيظ إلي من هذا " ، وبينما المسلمون في شغل بشهدائهم يوارونهم التراب ، إذ
أقبلت صفية تنظر ما فعل بأخيها حمزة ، و خشي عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم
إن رأت ما أصابه أن تفقد صوابها فقال للزبير :" القها فأرجعها لا ترى ما بأخيها " .
و تلقاها الزبير قائلا : " يا أمت ان رسول الله يأمرك ان ترجعي . قالت : ولم ؟ ،
قد بلغني انه مثل بأخي ، و ذلك في الله فما أرضانا بما كان من ذلك لأحتسبن و لأصبرن
إن شاء الله " . و سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم من كلمات الايمان و الرضى ما
جعله يقول للزبير : " خل سبيلها ." .
إنه الابتلاء و الاختبار ، ولله ما أقساه ، لولا أن الايمان يخفف منه ، والايمان
اذا استقر بصدق في القلوب طبعها بقيمه و فضائله ... وكثيرا ما يكشف الابتلاء عن صدق
الايمان و الالتزام ، و يظهر معدن الأصالة في النفس الانسانية . فما الذي جعل صفية
– وصبر النساء قليل – تصبر و تحتسب و تستعلي على مصابها الجلل و آلامها الجريحة ؟!
... إنه الايمان .
ويوم يتعمق الايمان في النفوس بصدق و وعي ، يولد فيها شوقا دائما الى الله ، ويهون
عليها ما تلقاه في سبيله من آلام و مصائب و عقبات .
وامتحان النفوس و ابتلاؤها سنة الهية ، ليمحص الله به النفوس ، فيوفق ما صلح منها
لطاعته ، و يجازيها على صبرها و تقواها بمزيد فضله ، "
إنما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب " . و لله ما أروع ما وصف الله به عباده
الذين أخلصهم الايمان بخالصة التقوى و الصبر و الرضى ، "
وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله و ما ضعفوا
وما استكانوا والله يحب الصابرين " .
و ستبقى تلك النماذج الايمانية الرائعة التي صنعها الاسلام ، و خلدها التاريخ معالم
مضيئة على طريق الاجيال المسلمة يستهدي بها جيل الخلف ليظل حبل الترابط و التواصل
قائما ، و ليظل التفاعل مع الاسلام باقيا ورحم الايمان معطاء .
