قد أفلح المؤمنون الذين اشرأبت أعناقهم إلى فيوض رحمة الله تبارك وتعالى في ظلال هذا الشهر المبارك، واطمأنت قلوبهم إلى ماعند الله من مغفرة، واستجابت نفوسهم إلى نداء التغيير الذي يزيد من جُذى الإيمان في صدورهم، فسمت الأخلاق، وارتقى السلوك بما في الإسلام من قيم وآداب ومشاعر وعبادات، فشعر المسلمون من جديد بضرورة إحياء عزائمهم، وطيِّ صفحات الوهن التي عاشوها السنين الطوال، ولن يجد الضعف والركون إلى الدنيا مكانا في جوانحهم، فلقد هانت الرزايا أمام صبرهم على أقدار الله عزَّ وجلَّ، وعلى مالاقوه من الطغاة المجرمين، وما زال إيمانهم أقوى وأكبر من كل طغيان، ومن كل مايُحاك عليهم من كيد ومكر، ومن أحقاد. ( وإِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) 10/الزمر. حيث كانت الرزايا والمحن اختبارا لهم  على قوة إيمانهم بالله، ومنطلقا لتجسيد معاني صدق فطرتهم التي حاول أعداء الإسلام طمسها أو تشويهها، ولقد نجح المؤمنون الصابرون  بفضل الله في هذا الابتلاء ، يقول الله تعالى:  (الـم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ ، ولَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِين  (1/2/3 /العنكبوت .
وموسم هذا الشهر المبارك أغنى تلك الرؤى ، ومكَّن لتلك القيم في نفوس أبناء الأمة ، ومنح تلك النفوس أسباب القوة ، فانطلقت توَّاقةً إلى آفاق السمو والتميُّز الإنساني ، وهرعت نحو ميادين الإصلاح يغريها شغفُها بما خبَّأ الله لها من فتح ومجد في الدنيا ، ومن مثوبة ورضوان في جنَّات النعيم . فمقتوا هذا الباطل الذي استحوذ على حياتهم من قِبل أعداء الأمة ، حيث استجلب لهم تجديدُ الإيمان هذا الشموخَ بالحق ، وهذا الفداء بالنفس والمال ، إنها حقيقةُ الإيمان التي لم يعد تحجب شمسَها كلُّ مايملك الطغاة المرتدون من قوة وجبروت ، فهذه الحقيقة هي شريان النهوض المتدفق بالحماس وبالعمل ، وهي الصرح الشامخ في وجه الأعاصير العاتية التي تهدد كيان الأمة ودينها ، إنها حقيقة الإيمان التي صدَّت الشَّرَّ والأذى عن مكان الأمة ومكانتها العالمية ، وعن شريعتها الربانية : ( فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ، إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وخَافُونِ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) 174/175/ آل عمران . وليبقى هذا الشهر العظيم سببا في إحياء أسباب العبودية لله ، فالقيام والصيام وتلاوة القرآن وبذل الخير والإقبال على الله تنسج ثوبَ تقوى الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾  183/ البقرة ، وهذه التقوى تقود الأمة إلى الجنة ، وتبعد خُطاها عن النار ، عن أبي هريرة  رضي الله عنه  قال: قال رسولُ الله  صلَّى الله عليه وسلَّم: (إذا دخَل شهرُ رمضان فُتحتْ أبواب الجنة، وغُلقت أبوابُ جهنم، وسُلسلتِ الشياطين) رواه البخاري ومسلم . ولن ترضى الأمة بديلا عن معطيات التقوى التي جاء بها القرآن العظيم الذي أنزله الله في هذا الشهر الكريم : ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) 185/البقرة ، ففي التقوى انتصار على الرغبات المحرمة ، ومجافاة للأهواء والإغراءات الباطلة ، ومقت لبضاعة التغريب والحداثة وما فيهما من ضلال وفساد وأباطيل ، وبالتالي فإنها تقضي على العقم الحضاري الذي أصاب أمةً لم تعرف إلا آفاق المجد والسؤدد ، والعناوين الكبرى في عالم الحق والعدل والأخلاق والعلوم ... ليس للباطل أن يسود ، وليس له أن ينتصر على الحق مهما تعالى وانتفخت أوداجُه ، وكثر جنده ، وهيهات ... هيهات  إن الرزايا والأهوال التي تمر بها الأمة اليوم ماهي إلا عنوان الفتح القريب ــ بإذن الله ــ ( ولينصرن الله من ينصره ) ، إن الفلاح الدائم يكون لأهل التقوى الذين يؤثرون ماعند الله على كل ماتراه أعينهم من زخارف الحياة الدنيا ، ( ذلك الدين القيم ) ، وهم عند حصون إيمانهم وثغور يقينهم بربهم ، زادُ أرواحِهم كتابُ الله وسُنَّةُ نبيِّه صلى الله عليه وسلم لايرتضون بغيرهما بديلا ، إن أعداء الإسلام يحاولون إلغاء هذا الدين من حياة المسلمين ، فجنَّدوا كل وسائل الفجور والإلحاد : (لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ)  137/ الأنعام، بكل ماللباطل من أوجه ذات زينة ، وكل ما أوحى به شياطينُهم من مكر ولؤم وحقد ، ليلبسوا على الناس ، ولكن الأمة آبت إلى الله ، وفتحت الصفحات المشرقات من تاريخ مكانتها السالفة ، وأبعدت عنها التزييف والخلط الشائن : (   وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ) 42/البقرة  ، ففي هذا الشهر المبارك تقترب الأمة من ربها تبارك وتعالى ، ويفتح الله لها أبواب رحمته ورضوانه : ( وَإِذَا سَألَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَليُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) 186 /البقرة ، ألا فلتمتد الأيادي البيض إلى بارئها تدعوه وتسأله الفتح والنصر ، أيها الإمام العادل الذي يحكم بشريعة الإسلام ، أيها الصائم القائم العابد ربَّه آناء الليل وأطراف النهار ، أيها المظلوم بين أصفاد الطغاة المجرمين ... ارفعوا أيديكم إلى الله ، فلن يخيب الله رجاءَكم ولن يردَّ دعاءَكم ، عن أبي هريرة  رضي الله عنه  قال: ‏قال رسول الله ‏ صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام ، وتفتح لها أبواب السماء ويقول وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين) رواه ابن ماجه .  وأما أنتم يامَن لاتدرون أيَّ شهر مرَّ عليكم ، وهاهو يودع الأبرار الأطهار ، فلقد خبتم وخسرتم ، بعد أن ألهتكم الشهوات واللذائذ ، وأعمت بصائركم الأهواء ، فتعسا لكم ، عن‏ ‏أبي هريرة‏ رضي الله عنه ‏قال: قال رسول الله ‏ صلى الله عليه وسلم : ( رَغِمَ أنف رجل دخل عليه رمضان ثم ‏ ‏انسلخ‏ ‏قبل أن يـُغْفَرَ له) رواه الترمذي . ودائما يكون الفلاح للمؤمنين بالله المصدقين بما أُنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهم الذين اصطفاهم الله للإيمان ولحمل هذه الرسالة ، ووعدهم بالنصر والتمكين : ( وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ،  ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُو الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) 31/32/فاطر ، أولئك هم السابقون بالخيرات المجاهدون في سبيل الله ، المرابطون اليوم على ثغور الإسلام في الميادين ... ميادين العزة والإباء والثبات على الحق  ، طوبى لهم وحسن مآب : ( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ،  وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُور شَكُورٌ ،  الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ) 33/34/35/ فاطر  ، وأما أعداء الإسلام من المرتدين والمنافقين والمتآمرين لهدم أركان الإسلام ، فوالله ليس لهم إلا الخزي في الحياة الدنيا ، وليس لهم إلا التبار والخسران يوم الحساب : (  وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ،  وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ َوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ  ) 36/37/ فاطر .
أولئك الذين عاشوا أبشع أنواع الانحطاط الخلقي  حين تنكروا لدينهم ، ولقدسية هذه النفحات الربانية في ظلال هذا الشهر ، وحين حاربوا الإسلام وأهلَه بكل ما أُتوا من قوة ومكر وتزييف ، وحين أشاعوا أسباب الفساد والضلال ، وحين فقدوا معنى الحياة الطاهرة التي أرادها لهم رب الأرض والسماء ، إن مجافاتهم بل وحربهم على الدين الإسلامي الحنيف أرجع الأمة إلى دياجير التخلف والضعف والتبعية المقيتة لدول الاستكبار التي تقودها الماسونية العالمية ، إن الأمة اليوم بحاجة إلى العودة إلى قرآنها وسُنَّة نبيِّها صلى الله عليه وسلم ، إنها بحاجة إلى إيقاد الأشواق إلى الله ، تلك الأشواق التي تبدد كدر الصدور ، وتعيد الأمة إلى حضورها العالمي الفاعل المؤثر ، من خلال تدفُّق ينابيع الرحمة والإخاء الفيَّاض بالصدق والتواد ، وتبًّـا تَبًّـا للطغاة المجرمين الذين يحولون دون ذلك ، فلهم الذلة ولهم سوء المنقلب وبئس المصير ، ( إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) 38/ فاطر .
 

المراجع

odabasham.net

التصانيف

قصص  أدب  مجتمع