الحلقة الرابعة
ما أشد الفراق، وما أقساه وأمرّه على النفس، وخصوصا إذا كنت قد تركت في وطني الحبيب مصر طفلين حبيبين إلى قلبي، وزوجة عاشت معي نموذجا للحب والوفاء، ويفصلني عن أسرتي ــ هذه الصغيرة ــ مسافات شاسعة تقدر بآلاف الأميال. وأصبح رفيقي هو الشوق ... الشوق بلهيبه وحرقته، وإن وجدت فيه بعض السلوى .
وأجلس في مسكني بــ " لواندا " عاصمة أنجولا، أمد نظري عبر النافذة الطلة على الشارع الطويل ، وأجدني متفاعلا مع بيت من الشعر كنت أسمعه كثيرا جدا من أستاذنا الدكتور جابر قميحة وهو :
 وإني لتعروني لذكراك هزة      كما انتفض العصفور بلله القطر .
وجدتني أردد هذا البيت بيني وبين نفسي كأنني أنا ناظمه ، ومررت يدي على وجهي فرأيته قد غسل بدموعي. أين أنت يا ولدي الحبيب إبراهيم ؟ ... أين أنت يا ولدي الحبيب محمد ؟ ... أين أنت الآن يا زوجتي الحبيبة ؟ ... ترى أهناك من يزعجكم ؟ أو ما يضايقكم ؟ قلبي معكم، وروحي فداكم .
آه ... آه ... إنها الغربة وما أقساها ، وما أمرّها.
وفجأة قفزت بأشواقي إلى وطننا الحبيب مصر. وصدق شوقي إذ قال :
 وطني لو شغلت بالخلد عنه      نازعتني إليه في الخلد نفسي
**********
ورأيتني تشدني نفسي إلى الثورة الخالدة، الثورة التي شدت أنظار العالم كله وأصبحت نموذجا يحتذى، ثورة هزت الدنيا كلها، وصنعت لمصر تاريخا جديدا.
وفكرت أن أنظر إلى أحداثها نظرة عدل وإنصاف:
فرأيت أن هذه الثورة اتسمت بملامح ستخلدها أبدا، ومنها :
-        أنها تمثل تاريخا يكتب للأحفاد وللدنيا، انتصار ثورة شعب بالكامل على يد شعب بالكامل، منتصرا على قوى الطغيان بالكامل.
-        أنها تمثل بداية جديدة لبناء بلد جديد تملؤه الحياة .
-        أنها تمثل صفعة تاريخية قاتلة على وجه الظالمين .
-        أنها أعلنت عمليا انتهاء ثلاثين عاما من الذل والظلم والعار والاستعباد .
-        أنها مكنت المصري من أن يتمتع بجمال الطبيعة بعد أن استشعر الحرية .
-        وأنها أعلنت عمليا أن مصر للمصريين لا للحكام وأعوانهم ، من اللصوص والأثرياء .
**********
وبلسان العقل والإنصاف ، والإيمان بالله ثم الوطن آخذ على الثورة والثوار ما يأتي :
-        الاندفاع وراء الحماسة التي تغلب الاتزان في كثير من الأحيان، فكثرت "الجُمَع " (جمع جمعة): فهذه جمعة الغضب ... وهذه جمعة الثأر ... وهذه جمعة تصحيح المسار .... الخ .
-        انكار قاعدة التدرج في الاصلاح ، ومعالجة العيوب ، مع أن التدرج التشريعي قاعدة إسلامية أصيلة .
-        ظهور كثير من النفعيين والمأجورين من النظام السابق بين شباب الثورة ، وهؤلاء لا يهمهم إلا أنفسهم .
-        الخلو من برنامج إصلاحي متماسك ومعقول .
 **********
وتسألني يا عزيزي القارئ : وما علاقة كلماتك هذه بعنوانك الرئيسي ( مشاهداتي في أنجولا ) ؟ وأقول : إن المشاهدة يغلب عليها الرؤية البصرية، ولكن ما ذكرته في هذه الحلقة يمثل " رؤية نفسية " ، نقلتها بأمانة لتكون حلقتي الرابعة في سلسلة مقالات . وأعيدك ــ يا أخي القارئ ــ إلى مطلع المقال:
ما أشد الفراق ، وما أقساه وأمرّه على النفس، وخصوصا إذا كنتُ قد تركت في وطني الحبيب مصر طفلين حبيبين إلى قلبي، وزوجة عاشت معي نموذجا للحب والوفاء ، ويفصلني عن أسرتي ــ هذه الصغيرة ــ مسافات شاسعة تقدر بآلاف الأميال وأصبح رفيقي هو الشوق ... الشوق بلهيبه وحرقته ، وإن وجدت فيه بعض السلوى.
( الحلقة االخامسة )
النظام والالتزام أصل في الإسلام
مقدمة : - 
إنها وقائع يشهدها التاريخ. فيها الجميل المستساغ، وفيها الغريب الذي يدعو للأسى، ولكنها على أية حال تحمل دروسا وتوجيهات، وكتابتها يشعر مقدمها بأنه قد أدى ما يتطلبه دينه من أداء الكلمة الصادقة.
وفي الصفحات الآتيه  تلخيص لمشاهداتي في رحلتي للعمل بأنجولا عام 2011 . 
عالمنا العربي مليء بكل ألوان الفكر والإبداع في كل شيء . فكلما تذكرت عبقريات المسلمين في الحرب والسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والرعيل الأول إزداد إيماني بأنه سيأتي اليوم الذي ستهيمن فيه عبقريات المسلمين على شتى مناحي الحياة ؛ فالبقاء للأصلح . ويبقى علينا واجب الامتثال للحق الذي جاء في قوله تعالى : " الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ  "  الحج (41)   . 
ويدخل في مهمة المسلم مراعاة النظام ، والالتزام بالمنهج السلوكي السديد ،  والحرص على مواعيده ووقته مما فاضت به مواريثنا النيرة ، وصدق الإمام علي إذ قال : " فيا حسرة على ذي غفلة ، أن تكون أيامه عليه حجة ، وأن تسلمه أيامه إلى شقوة " .
وما ذكرته وجدته ، وعشته فعلا لا كلاما وأنا في أنجولا . وجدت هذا العًـلم المسلم ، فحينما يتحدث لا يكذب ، وحينما يتفق على شيء ينفذه على أتم وجه . حتى لو كان التعامل مع غير المسلمين .
فهنيئا لنا بديننا الذي جعل منا خير أمة أخرجت للناس . 
فهذا الرجل يمتاز بالحنكة التجارية حتى استطع أن يهيمن على اقتصاد هذه البلاد بنسبة كبيرة جدا . 
رُوي من أشخاص أنجوليين وعلى لسانهم أن منتجات الحاج قاسم تأخرت يوما عن التسويق فرتفعت كل الأسعار للمنتجات بصورة فادحة ، وقالت عنه بعض الصحف المغرضة : "  قاسم تاج الدين يقوم بتجويع الشعب الأنجولي " .
وأخذني العجب والأسى لعدم اهتمام هذه البلاد بشؤنها الداخلية ، حتى أصبحت سوقا مفتوحة لكل من يريد أن يتاجر في أي شيء .
كانت هذه التعليقات قد أثارت انتباهي وتعجبي لما يحول بيني وبين قلمي في هذه الأونة ، فكلنا ــ نحن المسلمين ــ جنود الكلمة البناءة ، نقولها في كل أوان وفي كل مكان ، فكل عامل مسلم في  هذه البلاد يعتبر نفسه جنديا في كتيبة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ... لقد رأيت فيهم الإصرار ، وصدق الانتماء الديني ، وحيوية الضمير بصورة عملية لا ينقضها ناقض .
كما أن الاغتراب ساوى بين الشباب والشيوخ في هذه السمة الخلاقة .
وأسوق في عجالة قصة موجزة تتلخص فيما يأتي :
كان الذي يقوم بمشاويرنا وقضاء مهماتنا سائق أنجولي يعمل في نفس الشركة التي أعمل بها ، ثم تم تعيينه سائقا خاص لي ولزميلي ورفيقي في العمل والسكن الاستاذ  تاج الدين ...  إن السيارة جميلة فكانت تحملنا ، وتحمل المعدات والمهمات . كان هذا السائق شديد الانتباه يعلم ما نريد مرة واحدة وبعدها هو الذي ينبهنا لما يجب عمله .  مع العلم بأن هذه لم تكن طبيعة الشعب الذي نتعامل معه ، فطبيعة هذا الشعب " أنه لا يعمل دون نداء أو أمر " . فأغلب من رأيناهم ، واختلطنا بهم يقبلون على الخمر أكثر مما يقبلون على الماء .
ونبقى ــ نحن العرب في أنجولا ــ نتخوف تخوفا شديدا من اندلاع حرب أهلية يكون الأجانب ضحيتها . علما بأن شركتنا في أنجولا تحمل أكبر قدر من أسهم الاقتصاد هناك ،  فتعتبر أغنى شركة في أنجولا كلها ، ومن ثم ستكون أول ما يتعرض للهجوم.    فكنا دائما متحفظين ولا ندري شيئا عن المخطط  المستقبلي لهذه البلاد ، فأصبحنا في لهفة شديدة لمتابعة أخبار هذه المظاهرات والتحركات السياسية في هذه البلاد .
وحكى لنا بعض الأنجوليين عن حرب أهلية سابقة فجرت بحرا من الدماء .
أعود بكم لسائقي المحترم " زَكال ".  فقد تعلم منا هذا الرجل كيف يكون المسلم طاهرا نظيفا دائما ، ثم أصبحنا ننتظم على مواعيده التي كدنا نضبط عليها ساعاتنا . لقد كنا مواظبين على الذهاب إلى المسجد ومعنا المصاحف ، لكن السائق كان يحمل الإنجيل دائما في يده وفي السيارة  ، علما بأن زكال كان ينبهنا لميعاد صلاة الجمعه كل يوم خميس لنستعد للصلاة في المسجد .
وذات يوم حضر زكال فرحا سعيدا ، فسألته عن السبب ، فقال : إن زوجته وضعت له بنتا جميله ، فسألته عن الاسم الذي اختاره لها ، فكان جوابه مفاجأة لي ، إذ سمى ابنته على اسمي " أشرف " ( !!!! ) فواضح أنه اختار اسمي ليطلقه على ابنته الوليدة .
حاولنا مرارا وتكرارا أن نوضح له أن هذا الاسم يطلق على البنين لا البنات دون جدوى . ولضعفي في اللغة البرتغالية استعنت بزميلي اللبماني " رامي السهلي"  الذي يتقن اللغة البرتغالية ليقنعه بما أردتُ ، وبعد جهد جهيد توصلنا لحل وسط وهو أن يسمي ابنته " شريفة " . وتنفست الصعداء ، وشعرت براحة عميقة لسببين :
السبب الأول : أنه حول المذكر إلى المؤنث .
والسبب الثاني : أن اختياره لاسم " شريفة " له دلالة إسلامية ومعنوية طيبة جدا .
وقلت الحمد لله إذ وجدنا انعكاسا لديننا عند رجل لم يسمع عن دين اسمه الإسلام من قبل .
وبمشيئة الله سيكون لنا لقاء آخر في الحلقة السادسة . والحمد لله رب العالمين .
 

المراجع

odabasham.net

التصانيف

قصص  أدب  مجتمع   قصة