إن
الأصل في الحياة الإنسانية _ وفق التصور الإسلامي _ أن يلتقي فيها طريق الدنيا مع
طريق الآخرة ، وأن يكون السبيل إلى صلاح الآخرة ، هو نفسه السبيل إلى صلاح الدنيا ،
وأن يكون عمل المسلم في الدنيا ، وإخلاصه فيها ، وإتقانه لسننها ، وتفجيره لطاقاتها
، واستثماره لغلاتها ، هو ذاته الموصل إلى ثواب الآخرة مثلما هو محقق لسعادة الدنيا
سواء بسواء ..
فالدنيا في المفهوم الإسلامي الصحيح ، هي مزرعة الآخرة ، وبما أن وظيفة الإنسان
الحقيقية في هذه الأرض هي خلافة الله فيها ، كما قال تعالى في كتابه العزيز : بسم
الله الرحمن الرحيم
((
وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة )) البقرة ( 30 ) صدق الله العظيم .
فإن العمل والإنتاج والإتقان والإبداع والعدالة في التوزيع واستثمار كل خامات الأرض
ومواردها ، المسخّرة من الله عزّ وجل للإنسان ، هي كلّها واجبات على طريق الوفاء
بأمر الخلافة نفسها ، وهي من أصل الإيمان وصميم الإسلام ، وبناء على ذلك فإن قيام
المسلم بهذه الواجبات والمسؤوليات يعتبر طاعة لله ، ينال عليها ثواب الله في الآخرة
، في نفس الوقت الذي يحصّل فيه السعادة في الدنيا والرخاء فيها .
وعلى العكس تماماً ، فالمسلم الذي يقصّر في الواجبات المنوطة به في الدنيا ، فلا
يتقن عمله ، ولا يخلص في واجبه ، ولا يفجّر طاقات الأرض ، ولا يستغل خامات الطبيعة
المسخّرة له من قبل الله عزّ وجلَّ ، يعتبر عاصياً لله ، ناكلاً عن القيام بوظيفة
الخلافة كما أمر الله …
وهكذا يجتمع في حسّ المؤمنين الصادقين ، العمل للدنيا ، مع العمل للآخرة ، في توازن
رائع ، واتساق بديع
فالمسلم لا يهمل دنياه لينال آخرته ، كما أنه لا يفرّط بالآخرة ليتلذّذ في الدنيا
.. بسم الله الرحمن الرحيم
((
وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ، ولا تنس نصيبك من الدنيا)) القصص (77 ) صدق
الله العظيم .
والمسلم الحقّ ، لا يقدّم الإيمان والعبادة والصلاح والتقوى ، بديلاً عن العمل
والإنتاج والإعمار والإبداع ، لأن المعاني الأولى _ في حسّ المسلم الحقّ _ تمثل
حوافز عملية الاستخلاف ، والثانية تمثل أدواتها ووسائلها ، وهذه وتلك معاً ، هي
المؤهلات الحقيقية لنيل الفردوس الدنيوي والفردوس الأخروي معاً ، وبالتالي لا يوجد
انفصام وخصام في منهج المؤمنين الصادقين ، بين قيم ( الدين ) وقيم ( الحياة ) ..
بل
المؤمنون المخلصون هم الصناع الحقيقيّون للحياة .. بسم الله الرحمن الرحيم (( ولو
أنَّ أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ، ولكن كذّبوا
فأخذناهم بما كانوا يكسبون )) الأعراف (96)
وهنا قد يثار سؤال مهم وهو : إذا سلّمنا بهذا التلازم بين طريق الإيمان ، الذي هو
طريق الآخرة ، وبين طريق الدنيا ، كسنّة إلهية ثابتة في بناء المجتمعات والأمم ،
فلماذا _ إذاً _ نرى هذا التخلف الرهيب في الجوانب المادية لدى المسلمين ، بينما
نجد في المقابل ، التقدّم الهائل لدى الكثير من الشعوب التي لا تعير أهمية لقيم
الإيمان والآخرة في حياتها .!؟
وللإجابة على هذا التساؤل الهام ، لا بد أن نوضّح حقيقتين راسختين :
الأولى : هي أن سرّ تخلف المسلمين اليوم عن ركب المدنية المعاصرة ، لا يكمن في
كونهم مسلمين ، بل العكس تماماً هو الصحيح .!!!
فتأخرهم ناجم عن عدم فهمهم لحقيقة الدين ، وعدم تطبيقهم لمنهجه ونظامه ، بدليل أن
الذين فهموه وطبقوه بصورة صحيحة من أسلافنا الكرام رضوان الله عليهم ، كانوا قد
بنوا به أعظم امبراطورية شهدها التاريخ ، وتربّعوا على عروش الحضارة والمدنيّة ،
وظلت البشرية تنهل من علومهم وأخلاقهم وحضارتهم لعدّة قرون.
والثانية : إن لهذا الفصام النكد ، بين القيم المادية والقيم الروحية ، الذي تعيشه
اليوم الكثير من المجتمعات الكافرة ، ضريبة باهظة يدفعونها من أعصابهم وراحتهم
واستقرارهم .
ولقد شهدنا في النصف الثاني من القرن الماضي ، الكثير من الظواهر التي تعبّر عن هذه
الحقيقة الصارخة ،
إنْ في سوء توزيع الثروات _ مما يجعل مجتمعاتهم تغرق في الأضغان والأحقاد
والانقسامات الطبقية المقيتة.! أو في الأمراض النفسيّة ، والتحلل الأخلاقي ، الذي
يهدّد بتدمير الحياة المادية نفسها ، أو في الخوف المستمر والقلق الدائم ، الذي يصل
في بعض الأحيان حدّ الرعب الذي يؤرّق البشرية ، ويقضُّ مضجعها ، خشية الدمار
العالمي الذي يتوقّعونه في أية لحظة ، من جرّاء انفلات التكنولوجيا ( المجنونة )
المعرّاة من أي سند أخلاقي وكوابح دينية .!!!
ولذلك ، فلم ينتشر الموت المفاجيء بالسكتات والانتحارات وانفجارات الدماغ ، كما
انتشر مؤخراً في الأمم المترفة ، التي تعتبر نفسها من الأمم الراقية .! والتي ضربت
أرقاماً خيالية في التطور المادي فعلاً ، بينما لا زالت تتمرّغ في أوحال الرذيلة
والجريمة والانحراف .!!!
ولقد كان بإمكانها أن تعيش حياة ملؤها السعادة والهناء ، لو أنها وازنت بين القيم
المادية والقيم الأخلاقية ، استجابة لقانون الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه : بسم الله الرحمن الرحيم
((
ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا ، لكفّرنا عنهم سيّآتهم ، ولأدخلناهم جنّات النعيم
، ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربّهم ، لأكلوا من فوقهم ومن
تحت أرجلهم )) المائدة (66)
صدق الله العظيم
