قد تستغرب أشد الاستغراب، وتندهش كل الدهشة، إذا ما أخبرتك أن للخصومة شرفاً، وأن شرف الخصومة من ثوابت القيم العربية في الجاهلية والإسلام، إذ به تبقى الكوة مفتوحة لرأب صدع الخلاف، وردم هوة الشقاق، وإذا انعدم هذا الثابت، أو فقدت هذه الخصلة ـ خصلة شرف الخصومة ـ من بين الخصوم، فلن تجد لخصومة نهاية، ولا لتلك المشكلات العالقة حلولاً، وعندما يتحلى الخصوم بها ستجد الكثير من نقاط الاتفاق والتقارب بينهم، وما أجمل قول أمير المؤمنين علي ـ كرم الله وجهه ـ في هذا المعنى إذ يقول :  
   " أحبب حبيبك هوناً ما ، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما،
    وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما "
   وأراني أتهلل لقول ذلك الشاعر الجاهلي، الذي تمنى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يراه، ولم يتمن أن يرى أحداً غيره من أهل الجاهلية لخصال كانت فيه ـ وأعني به عنترة العبسي ـ حيث يصف عدوه ـ وهو يقابله  في ساحة الوغى ـ بصفة الكرم، وهي هنا بمعنى الشرف والشجاعة  والمروءة، وهي من أسمى الصفات وأجلها حيث يقول :
 
  فشككت بالرمح الطويل ثيابه       ليس الكريم عن القنا بمحرم
 
ومما كان يؤخذ على بعض الخصوم اللدادة في الخصومة، والذهاب بها إلى أقصى مدى، ومن أقوال العرب في ذلك : " فلان لم يترك للصلح موضعاً "، إذا تعدى شرف الخصومة، وتعدى الحدود التي يجب الوقوف عندها، وتجاوزها ..
وبعد:
       فهذه دعوة إلى خصوم اليوم ـ من أبناء الأمة ـ ليتحلوا بشرف الخصومة، مستفيدين من آداب التخاصم في  تاريخهم المجيد، ذلكم التاريخ الحافل بالمآثر والدروس والعبر، وما شعرة معاوية الذائعة الصيت عنهم ببعيدة ... فهل من سميع ؟! وهل من مجيب؟
 

بقلم: عبد الرحمن الحياني.


المراجع

odabasham.net

التصانيف

شعر  شعراء   الآداب