هذا رمضان أطل علينا ولا بد منه بعد أحد عشر شهراً قضاها الناس في جهاد العيش، جهاد لا يمل ولا يكل. وقضاها المسلمون في محن تترى. أصابهم الوهن والظلم من القريب قبل البعيد. وظلم القريب أشد وطأة. والإسلام اليوم بين ظلمين ظلم أهله وظلم سواهم. والله يعلم أن ظلم أهله أوجع. جاء من أهله من يتحدثون باسم الإسلام، وهم لا يعرفون إلا الجزء الظاهر من القول، ولا يعرفون من الإسلام إلا العبادات والجهاد والبراء والولاء، وكأن الإسلام دين لا يعرف إلا هذا.
جاء رمضان وقد أُتهم الإسلام بأنه دين الإرهاب، ودين القتل، ودين الجهل، ودين الظلم، ودين الذكور دون الإناث، ودين الفوضى. فهل يا ترى سينتصر رمضان للإسلام. وهل يا ترى ستنجلي الغُمة، وتتضح الرؤية، ويظهر الإسلام كما عرفناه وخبرناه: دين المحبة، ودين الحياة، ودين العلم، ودين العدل، ودين الناس جميعاً. ورمضان كله عيد وطني شامل. يفيض على أهله ليل نهار بأصدق الآيات والتنزيل، وبأعذب الذكريات المباركات، ذلك رمضان كما تدركه العقول والقلوب. فهل يا ترى سيعيد رمضان للمسلمين أشياء فقدوها منها: الثقة ببعضهم، والصدق، والسلام، ومحبة الناس كلهم، وتعزيز أواصر الأخوة الإنسانية، ونبذ التعصب والكراهية. وكل هذه ليست من الإسلام، وكل هذه ليست من شيم المسلمين أو من عاداتهم.
سنة مرت ورمضان مر وليست كالسنين أو الرمضانات الفارطة. في العام الماضي أساء نفر من المسلمين لدينهم وأهلهم ولغيرهم. وكان أن ثار الآخرون الذين تعرضوا لإساءة كبيرة، لحقت بأرواحهم وممتلكاتهم ونظامهم وسياستهم. ثاروا ثورة مضرية، كادت أن تأكل الرطب واليابس. ثاروا حمية لنظامهم الذي ارتضوه، وثاروا حماية لوجودهم. ثم وجدناهم يتهمون الإسلام، وكل المسلمين بأنهم سبب البلاء، وسبب الشر والظلم الذي أصابهم. واتهامهم لا يخلو من صدق، ولكنه صدق ناقص، وإن شئت قلت صدق مثل صدق صاحب القصة الطريفة وملخصها أن رجلاً أُكثر عليه في وجوب الصلاة في الجامع (المسجد) وأُخذ بأعنف القول والتأنيب، وبعد لحح كثير، ذهب للجامع في غير وقت الصلاة. فلما رأي باب الجامع موصداً قال: "جت منك يا جامع". أترى الغرب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ما صدق أن يحدث ما حدث حتى ألصق بالإسلام والمسلمين تبعة ما حدث؟
كون رهط من المسلمين وراء الحادث وممن باشره فلا شك في ذلك. وكون أن الإسلام أقحمه ذلك الرهط في عمل لا ناقة له فيها ولا جمل لا شك في ذلك أيضاً. هذا صدق المستعجل، ولكنه صدق عوار. فالرهط الذي ارتكب الجريرة ليس هو كل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. والرهط الذي باشر الحدث أو ناصره أو موله ليس هو الإسلام. فالمسلمون أعلنوا نهاراً جهاراً شجبهم لما حدث. بل وذهب بعضهم أبعد من ذلك، إذ عد ذلك الرهط خارجا عن الإسلام. أما الإسلام فها هو أمامكم لا يحتاج إلى وكيل أو محام للدفاع عنه. مثله مثل الديانات السماوية الصحيحة سواء بسواء، ينكر بشدة كل أنواع القتل والإرهاب والظلم والتعدي.
هل يا ترى سيعيد رمضان للمسلمين ما فقدوه من فسحة عقلية للتفكير في دينهم وأنفسهم وأهليهم، وأن عليهم أن يتدبروا في مصابهم ومصاب إسلامهم، وإن يعرفوا ما أٌرتكب باسم الدين هو منه براء براءة الذئب من دم يوسف. وإن ما نشط له نفر من المسلمين من جرائم هي من فعل السياسة لا من أمر الدين، وإن غُلفت به. هل يا ترى سينظر المسلمون في تاريخهم ويرون رأي الُمبصر أن كثيراً مما أفسد تاريخهم وأضعف دولهم هو التشدد والإرهاب والقتل، وإن ذلك كله ارتكب باسم الدين، أين الفرق والملل المتشددة من خوارج وغيرهم، ذهبوا وبقيت آثارهم تشهد عليهم، وبقي الإسلام يستنكر فعلهم.
هذا رمضان ما له والسياسة. وهي والله ما دخلت في شيء إلا أفسدته كما تقول عامة العرب، ولكن رمضان يحب كل العلوم والثقافات، ورمضان صديق كل عاجز أو فقير أو محروم، وكل قوي أو غني أو باذل، ورمضان بلياليه اللطيفة مجال للسهر البري، والأدب المري. دعنا رعاك الله نختم بالأدب، أدب رمضان، ففيه سلوه، وفيه متعة. وكان فريق من أدباء العرب في أيامهم الخوالي اخترعوا غزلا لم تعرفه العرب ولا العجم. وهو: "غزل رمضان"، وهو غزل أشبه بالطرفة، وهو غزل فيه الحبيب لا يحب محبوبته ومتيمته. ثم زاد بعضهم أن أصبح الغزل عداء مستحكما - والعياذ بالله - بين رمضان ومحبيه. كان الشاعر يتلطف ويأتي بأوصاف لا يتعداها مثل قوله:
نُبئت أن فتاة جئت أخطبها
كأن عرقوبها مثل الشهر في الصوم
وما يضر رمضان إن كان طويلاً أو قصيراً، ما دام محبوه الحقيقيون راضين ناعمين. وإن كان قصر شهر رمضان من الغنيمة الباردة. وأحسب أن ابن الرومي هو أول من حول الغزل العفيف اللطيف مع رمضان إلى هجاء عنيف، فقد قال:
شهر الصيام وإن عظمت حرمته
شهر طويل ثقيل الظل والحركة
شهر كأن وقوعي فيه من قلقي
وسوء حالي وقوع الحوت في الشبكة
ما أكذب الشعر والشاعر. ولكن حب رمضان متجذر في عقول الناس وقلوبهم. حدث ابن رشيق صاحب كتاب: "العمدة" قال: إن أبا العتاهية الشاعر المتدين والمحب لرمضان أوقعه حبه برمضان في موقف مضحك، قال: لما مات المهدي قام أبو العتاهية يرثيه على ملأ من الناس فقال:
"مات الخليفة أيها الثقلان" فرفع الناس رؤوسهم، وفتحوا أعينهم وقالوا: "نعاه إلى الإنس والجن. فأدرك أبو العتاهية خطأه، فقال على السليقة: "فكأنني أفطرت في رمضان" فشبه جرأته في صدر البيت بجرأته في عجز البيت.
هذا رمضان صديق أطل عليكم وكله رحمة. ورمضان يتيح للمرء أن يُطهر نفسه وبدنه، ذلك أن الشهر كله طاهر مُطهر. فالصيام المادي في النهار، مثله مثل الصيام العقلي والمزاجي في سائر ساعات رمضان. والمرء ينتقل من صوم إلى صوم. لا يجد مشقة ولا نصبا مهما طالت أيام رمضان. والمرء الصادق يجد حلاوة رمضان. أما فرحة رمضان فيجد طعمها كل مغيب شمس. لا كما حدث للشاعر الذي هاج صبره بعد مرور سبعة وعشرين يوماً من عمر رمضان قال فض فوه:
قد مضت سبعة وعشر وعشر
ما نذوق اللذات إلا لماما
ما على الليل لو أقام علينا
أو يرانا من الصيام صياما
هذا شهر كريم وإني والله متفائل أن يُحدث، بعون الله، في المسلمين كافة عون ومدد الهي يجعلهم يعيدون حساباتهم، ويصححون أخطاءهم ويفتحون عقولهم وقلوبهم. يسألون الله الخير والفلاح ليس فقط لبني جلدتهم، بل للبشرية كافة. فهذا الدين ليس خاصاً بهم وحدهم، بل هو دين عالمي. لنحرص أيها المسلمون بالدعوة والدعاء للناس كافة. أما أن نأمل في تحويل كل الآخرين إلى الإسلام، فهذا ضد السنن الكونية التي أخبر الله عنها. لهذا كان لزاماً علينا أن نُحسن لمن أحسن إلينا. وكل عام وأنتم بخير. جعل الله رمضان شاهداً لنا لا علينا. والله أعلم.