[[ملف:قران41.png
تعليق]]
البقرة
{249} فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
" فَصَلَ " مَعْنَاهُ خَرَجَ بِهِمْ . فَصَلْت الشَّيْء فَانْفَصَلَ , أَيْ قَطَعْته فَانْقَطَعَ . قَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوت قَالُوا لَهُ إِنَّ الْمِيَاه لَا تَحْمِلنَا فَادْعُ اللَّه أَنْ يُجْرِي لَنَا نَهَرًا فَقَالَ لَهُمْ طَالُوت : إِنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ . وَكَانَ عَدَد الْجُنُود - فِي قَوْل السُّدِّيّ - ثَمَانِينَ أَلْفًا . وَقَالَ وَهْب : لَمْ يَتَخَلَّف عَنْهُ إِلَّا ذُو عُذْر مِنْ صِغَر أَوْ كِبَر أَوْ مَرَض . وَالِابْتِلَاء الِاخْتِبَار . وَالنَّهَر وَالنَّهْر لُغَتَانِ . وَاشْتِقَاقه مِنْ السَّعَة , وَمِنْهُ النَّهَار وَقَدْ تَقَدَّمَ . قَالَ قَتَادَة : النَّهَر الَّذِي اِبْتَلَاهُمْ اللَّه بِهِ هُوَ نَهَر بَيْن الْأُرْدُنّ وَفِلَسْطِين . وَقَرَأَ الْجُمْهُور " بِنَهَرٍ " بِفَتْحِ الْهَاء . وَقَرَأَ مُجَاهِد وَحُمَيْد الْأَعْرَج " بِنَهْرٍ " بِإِسْكَانِ الْهَاء . وَمَعْنَى هَذَا الِابْتِلَاء أَنَّهُ اِخْتِبَار لَهُمْ , فَمَنْ ظَهَرَتْ طَاعَته فِي تَرْك الْمَاء عُلِمَ أَنَّهُ مُطِيع فِيمَا عَدَا ذَلِكَ , وَمَنْ غَلَبَتْهُ شَهْوَته فِي الْمَاء وَعَصَى الْأَمْر فَهُوَ فِي الْعِصْيَان فِي الشَّدَائِد أَحْرَى , فَرُوِيَ أَنَّهُمْ أَتَوْا النَّهَر وَقَدْ نَالَهُمْ عَطَش وَهُوَ فِي غَايَة الْعُذُوبَة وَالْحُسْن , فَلِذَلِكَ رُخِّصَ لِلْمُطِيعِينَ فِي الْغَرْفَة لِيَرْتَفِع عَنْهُمْ أَذَى الْعَطَش بَعْض الِارْتِفَاع وَلِيَكْسِرُوا نِزَاع النَّفْس فِي هَذِهِ الْحَال . وَبَيَّنَ أَنَّ الْغَرْفَة كَافَّة ضَرَر الْعَطَش عِنْد الْحَزَمَة الصَّابِرِينَ عَلَى شَظَف الْعَيْش الَّذِينَ هَمُّهُمْ فِي غَيْر الرَّفَاهِيَة , كَمَا قَالَ عُرْوَة : وَاحْسُوا قَرَاح الْمَاء وَالْمَاء بَارِد قُلْت : وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( حَسْب الْمَرْء لُقَيْمَات يُقِمْنَ صُلْبه ) . وَقَالَهُ بَعْض مَنْ يَتَعَاطَى غَوَامِض الْمَعَانِي : هَذِهِ الْآيَة مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلدُّنْيَا فَشَبَّهَهَا اللَّه بِالنَّهَرِ وَالشَّارِب مِنْهُ وَالْمَائِل إِلَيْهَا وَالْمُسْتَكْثِر مِنْهَا وَالتَّارِك لِشُرْبِهِ بِالْمُنْحَرِفِ عَنْهَا وَالزَّاهِد فِيهَا , وَالْمُغْتَرِف بِيَدِهِ غَرْفَة بِالْآخِذِ مِنْهَا قَدْر الْحَاجَة , وَأَحْوَال الثَّلَاثَة عِنْد اللَّه مُخْتَلِفَة .
قُلْت : مَا أَحْسَن هَذَا لَوْلَا مَا فِيهِ مِنْ التَّحْرِيف فِي التَّأْوِيل وَالْخُرُوج عَنْ الظَّاهِر , لَكِنْ مَعْنَاهُ صَحِيح مِنْ غَيْر هَذَا .
اِسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ إِنَّ طَالُوت كَانَ نَبِيًّا بِقَوْلِهِ : " إِنَّ اللَّه مُبْتَلِيكُمْ " وَأَنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَيْهِ بِذَلِكَ وَأَلْهَمَهُ , وَجَعَلَ الْإِلْهَام اِبْتِلَاء مِنْ اللَّه لَهُمْ . وَمَنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا قَالَ : أَخْبَرَهُ نَبِيّهمْ شَمْوِيل بِالْوَحْيِ حِين أَخْبَرَ طَالُوت قَوْمه بِهَذَا , وَإِنَّمَا وَقَعَ هَذَا الِابْتِلَاء لِيَتَمَيَّز الصَّادِق مِنْ الْكَاذِب . وَقَدْ ذَهَبَ قَوْم إِلَى أَنَّ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة السَّهْمِيّ صَاحِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَمَرَ أَصْحَابه بِإِيقَادِ النَّار وَالدُّخُول فِيهَا تَجْرِبَة لِطَاعَتِهِمْ ; لَكِنَّهُ حَمَلَ مِزَاحه عَلَى تَخْشِين الْأَمْر الَّذِي كَلَّفَهُمْ , وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي [النِّسَاء] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
{249} فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
شَرِبَ قِيلَ مَعْنَاهُ كَرَعَ . وَمَعْنَى " فَلَيْسَ مِنِّي " أَيْ لَيْسَ مِنْ أَصْحَابِي فِي هَذِهِ الْحَرْب , وَلَمْ يُخْرِجهُمْ بِذَلِكَ عَنْ الْإِيمَان . قَالَ السُّدِّيّ : كَانُوا ثَمَانِينَ أَلْفًا , وَلَا مَحَالَة أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ الْمُؤْمِن وَالْمُنَافِق وَالْمُجِدّ وَالْكَسْلَان , وَفِي الْحَدِيث ( مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ) أَيْ لَيْسَ مِنْ أَصْحَابنَا وَلَا عَلَى طَرِيقَتنَا وَهَدْينَا . قَالَ : إِذَا حَاوَلْت فِي أَسَد فُجُورًا فَإِنِّي لَسْت مِنْك وَلَسْت مِنِّي وَهَذَا مَهْيَع فِي كَلَام الْعَرَب , يَقُول الرَّجُل لِابْنِهِ إِذَا سَلَكَ غَيْر أُسْلُوبه : لَسْت مِنِّي .
{249} فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
يُقَال : طَعِمْت الشَّيْء أَيْ ذُقْته . وَأَطْعَمْته الْمَاء أَيْ أَذَقْته , وَلَمْ يَقُلْ وَمَنْ لَمْ يَشْرَبهُ لِأَنَّ مِنْ عَادَة الْعَرَب إِذَا كَرَّرُوا شَيْئًا أَنْ يُكَرِّرُوهُ بِلَفْظٍ آخَر , وَلُغَة الْقُرْآن أَفْصَح اللُّغَات , فَلَا عِبْرَة بِقَدْحِ مَنْ يَقُول : لَا يُقَال طَعِمْت الْمَاء .
اِسْتَدَلَّ عُلَمَاؤُنَا بِهَذَا عَلَى الْقَوْل بِسَدِّ الذَّرَائِع ; لِأَنَّ أَدْنَى الذَّوْق يَدْخُل فِي لَفْظ الطَّعْم , فَإِذَا وَقَعَ النَّهْي عَنْ الطَّعْم فَلَا سَبِيل إِلَى وُقُوع الشُّرْب مِمَّنْ يَتَجَنَّب الطَّعْم , وَلِهَذِهِ الْمُبَالَغَة لَمْ يَأْتِ الْكَلَام " وَمَنْ لَمْ يَشْرَب مِنْهُ " .
لَمَّا قَالَ تَعَالَى : " وَمَنْ لَمْ يَطْعَمهُ " دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَاء طَعَام وَإِذَا كَانَ طَعَامًا كَانَ قُوتًا لِبَقَائِهِ وَاقْتِيَات الْأَبْدَان بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ الْمَذْهَب . قَالَ أَبُو عُمَر قَالَ مَالِك : لَا بَأْس بِبَيْعِ الْمَاء عَلَى الشَّطّ بِالْمَاءِ مُتَفَاضِلًا وَإِلَى أَجَل , وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَبِي يُوسُف . وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن : هُوَ مِمَّا يُكَال وَيُوزَن , فَعَلَى هَذَا الْقَوْل لَا يَجُوز عِنْده التَّفَاضُل , وَذَلِكَ عِنْده فِيهِ رِبًا ; لِأَنَّ عِلَّته فِي الرِّبَا الْكَيْل وَالْوَزْن . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا يَجُوز بَيْع الْمَاء مُتَفَاضِلًا وَلَا يَجُوز فِيهِ الْأَجَل , وَعِلَّته فِي الرِّبَا أَنْ يَكُون مَأْكُولًا جِنْسًا .
قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ قَالَ أَبُو حَنِيفَة : مَنْ قَالَ إِنْ شَرِبَ عَبْدِي فُلَان مِنْ الْفُرَات فَهُوَ حُرّ فَلَا يُعْتَق إِلَّا أَنْ يَكْرَع فِيهِ , وَالْكَرْع أَنْ يَشْرَب الرَّجُل بِفِيهِ مِنْ النَّهَر , فَإِنْ شَرِبَ بِيَدِهِ أَوْ اِغْتَرَفَ بِالْإِنَاءِ مِنْهُ لَمْ يُعْتَق ; لِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه فَرَّقَ بَيْن الْكَرْع فِي النَّهَر وَبَيْن الشُّرْب بِالْيَدِ . قَالَ : وَهَذَا فَاسِد لِأَنَّ شُرْب الْمَاء يُطْلَق عَلَى كُلّ هَيْئَة وَصِفَة فِي لِسَان الْعَرَب مِنْ غَرْفٍ بِالْيَدِ أَوْ كَرْع بِالْفَمِ اِنْطِلَاقًا وَاحِدًا , فَإِذَا وُجِدَ الشُّرْب الْمَحْلُوف عَلَيْهِ لُغَة وَحَقِيقَة حَنِثَ , فَاعْلَمْهُ .
قُلْت : قَوْل أَبِي حَنِيفَة أَصَحّ , فَإِنَّ أَهْل اللُّغَة فَرَّقُوا بَيْنهمَا كَمَا فَرَّقَ الْكِتَاب وَالسُّنَّة . قَالَ الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره : وَكَرَعَ فِي الْمَاء كُرُوعًا إِذَا تَنَاوَلَهُ بِفِيهِ مِنْ مَوْضِعه مِنْ غَيْر أَنْ يَشْرَب بِكَفَّيْهِ وَلَا بِإِنَاءٍ , وَفِيهِ لُغَة أُخْرَى [كَرِعَ] بِكَسْرِ الرَّاء يَكْرَع كَرَعًا . وَالْكَرَع : مَاء السَّمَاء يُكْرَع فِيهِ . وَأَمَّا السُّنَّة فَذَكَرَ اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه : حَدَّثَنَا وَاصِل بْن عَبْد الْأَعْلَى حَدَّثَنَا اِبْن فُضَيْل عَنْ لَيْث عَنْ سَعِيد بْن عَامِر عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : مَرَرْنَا عَلَى بِرْكَة فَجَعَلْنَا نَكْرَع فِيهَا فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَكْرَعُوا وَلَكِنْ اِغْسِلُوا أَيْدِيكُمْ ثُمَّ اِشْرَبُوا فِيهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ إِنَاء أَطْيَب مِنْ الْيَد ) وَهَذَا نَصّ . وَلَيْث بْن أَبِي سُلَيْم خَرَّجَ لَهُ مُسْلِم وَقَدْ ضُعِّفَ .
{249} فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
الِاغْتِرَاف : الْأَخْذ مِنْ الشَّيْء بِالْيَدِ وَبِآلَةٍ , وَمِنْهُ الْمِغْرَفَة , وَالْغَرْف مِثْل الِاغْتِرَاف . وَقُرِئَ " غَرْفَة " بِفَتْحِ الْغَيْن وَهِيَ مَصْدَر , وَلَمْ يَقُلْ اِغْتِرَافَة ; لِأَنَّ مَعْنَى الْغَرْف وَالِاغْتِرَاف وَاحِد . وَالْغَرْفَة الْمَرَّة الْوَاحِدَة . وَقُرِئَ " غُرْفَة " بِضَمِّ الْغَيْن وَهِيَ الشَّيْء الْمُغْتَرَف . وَقَالَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ : الْغَرْفَة بِالْكَفِّ الْوَاحِد وَالْغُرْفَة بِالْكَفَّيْنِ . وَقَالَ بَعْضهمْ : كِلَاهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد . وَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : الْأَكُفّ أَنْظَف الْآنِيَة , وَمِنْهُ قَوْل الْحَسَن : لَا يَدْلِفُونَ إِلَى مَاء بِآنِيَةٍ إِلَّا اِغْتِرَافًا مِنْ الْغُدْرَان بِالرَّاحِ الدَّلِيف : الْمَشْي الرُّوَيْد .
قُلْت : وَمَنْ أَرَادَ الْحَلَال الصِّرْف فِي هَذِهِ الْأَزْمَان دُون شُبْهَة وَلَا اِمْتِرَاء وَلَا اِرْتِيَاب فَلْيَشْرَبْ بِكَفَّيْهِ الْمَاء مِنْ الْعُيُون وَالْأَنْهَار الْمُسَخَّرَة بِالْجَرَيَانِ آنَاء اللَّيْل وَآنَاء النَّهَار , مُبْتَغِيًا بِذَلِكَ مِنْ اللَّه كَسْب الْحَسَنَات وَوَضْع الْأَوْزَار وَاللُّحُوق بِالْأَئِمَّةِ الْأَبْرَار , قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ شَرِبَ بِيَدِهِ وَهُوَ يَقْدِر عَلَى إِنَاء يُرِيد بِهِ التَّوَاضُع كَتَبَ اللَّه لَهُ بِعَدَدِ أَصَابِعه حَسَنَات وَهُوَ إِنَاء عِيسَى اِبْن مَرْيَم عَلَيْهِمَا السَّلَام إِذْ طَرَحَ الْقَدَح فَقَالَ أُفّ هَذَا مَعَ الدُّنْيَا ) . خَرَّجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر قَالَ : نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَشْرَب عَلَى بُطُوننَا وَهُوَ الْكَرْع , وَنَهَانَا أَنْ نَغْتَرِف بِالْيَدِ الْوَاحِدَة , وَقَالَ : ( لَا يَلَغ أَحَدكُمْ كَمَا يَلَغ الْكَلْب وَلَا يَشْرَب بِالْيَدِ الْوَاحِدَة كَمَا يَشْرَب الْقَوْم الَّذِينَ سَخِطَ اللَّه عَلَيْهِمْ وَلَا يَشْرَب بِاللَّيْلِ فِي إِنَاء حَتَّى يُحَرِّكهُ إِلَّا أَنْ يَكُون إِنَاء مُخَمَّرًا وَمَنْ شَرِبَ بِيَدِهِ وَهُوَ يَقْدِر عَلَى إِنَاء . .. ) الْحَدِيث كَمَا تَقَدَّمَ , وَفِي إِسْنَاده بَقِيَّة بْن الْوَلِيد , قَالَ أَبُو حَاتِم : يُكْتَب حَدِيثه وَلَا يُحْتَجّ بِهِ . وَقَالَ أَبُو زُرْعَة : إِذَا حَدَّثَ بَقِيَّة عَنْ الثِّقَات فَهُوَ ثِقَة .
{249} فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
قَالَ اِبْن عَبَّاس : شَرِبُوا عَلَى قَدْر يَقِينهمْ فَشَرِبَ الْكُفَّار شُرْب الْهِيم وَشَرِبَ الْعَاصُونَ دُون ذَلِكَ , وَانْصَرَفَ مِنْ الْقَوْم سِتَّة وَسَبْعُونَ أَلْفًا وَبَقِيَ بَعْض الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَشْرَب شَيْئًا وَأَخَذَ بَعْضهمْ الْغُرْفَة , فَأَمَّا مَنْ شَرِبَ فَلَمْ يُرْوَ , بَلْ بَرَّحَ بِهِ الْعَطَش , وَأَمَّا مَنْ تَرَكَ الْمَاء فَحَسُنَتْ حَاله وَكَانَ أَجْلَد مِمَّنْ أَخَذَ الْغُرْفَة .
{249} فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
" فَلَمَّا جَاوَزَهُ " الْهَاء تَعُود عَلَى النَّهَر , و " هُوَ " تَوْكِيد . " وَاَلَّذِينَ " فِي مَوْضِع رَفْع عَطْفًا عَلَى الْمُضْمَر فِي " جَاوَزَهُ " يُقَال : جَاوَزْت الْمَكَان مُجَاوَزَة وَجَوَازًا . وَالْمَجَاز فِي الْكَلَام مَا جَازَ فِي الِاسْتِعْمَال وَنَفَذَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى وَجْهه . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ : جَازَ مَعَهُ فِي النَّهَر أَرْبَعَة آلَاف رَجُل فِيهِمْ مَنْ شَرِبَ , فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَى جَالُوت وَجُنُوده وَكَانُوا مِائَة أَلْف كُلّهمْ شَاكُّونَ فِي السِّلَاح رَجَعَ مِنْهُمْ ثَلَاثَة آلَاف وَسِتّمِائَةٍ وَبِضْعَة وَثَمَانُونَ , فَعَلَى هَذَا الْقَوْل قَالَ الْمُؤْمِنُونَ الْمُوقِنُونَ بِالْبَعْثِ وَالرُّجُوع إِلَى اللَّه تَعَالَى عِنْد ذَلِكَ وَهُمْ عِدَّة أَهْل بَدْر : " كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه " . وَأَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ : عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا جَازَ مَعَهُ النَّهَر مَنْ لَمْ يَشْرَب جُمْلَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَيْف نُطِيق الْعَدُوّ مَعَ كَثْرَتهمْ ! فَقَالَ أُولُو الْعَزْم مِنْهُمْ : " كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَة كَثِيرَة بِإِذْنِ اللَّه " . قَالَ الْبَرَاء بْن عَازِب : كُنَّا نَتَحَدَّث أَنَّ عِدَّة أَهْل بَدْر كَعِدَّةِ أَصْحَاب طَالُوت الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَر ثَلَاثمِائَةٍ وَبِضْعَة عَشَر رَجُلًا - وَفِي رِوَايَة : وَثَلَاثَة عَشَر رَجُلًا - وَمَا جَازَ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِن .
{249} فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
وَالظَّنّ هُنَا بِمَعْنَى الْيَقِين , وَيَجُوز أَنْ يَكُون شَكًّا لَا عِلْمًا , أَيْ قَالَ الَّذِينَ يَتَوَهَّمُونَ أَنَّهُمْ يُقْتَلُونَ مَعَ طَالُوت فَيَلْقَوْنَ اللَّه شُهَدَاء , فَوَقَعَ الشَّكّ فِي الْقَتْل .
{249} فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
الْفِئَة : الْجَمَاعَة مِنْ النَّاس وَالْقِطْعَة مِنْهُمْ مِنْ فَأَوْت رَأْسه بِالسَّيْفِ وَفَأْيَته أَيْ قَطَعْته . وَفِي قَوْلهمْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ : " كَمْ مِنْ فِئَة قَلِيلَة " الْآيَة تَحْرِيض عَلَى الْقِتَال وَاسْتِشْعَار لِلصَّبْرِ وَاقْتِدَاء بِمَنْ صَدَّقَ رَبّه .
قُلْت : هَكَذَا يَجِب عَلَيْنَا نَحْنُ أَنْ نَفْعَل ؟ لَكِنْ الْأَعْمَال الْقَبِيحَة وَالنِّيَّات الْفَاسِدَة مَنَعَتْ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَنْكَسِر الْعَدَد الْكَبِير مِنَّا قُدَّام الْيَسِير مِنْ الْعَدُوّ كَمَا شَاهَدْنَاهُ غَيْر مَرَّة , وَذَلِكَ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِينَا وَفِي الْبُخَارِيّ : قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء : إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ بِأَعْمَالِكُمْ . وَفِيهِ مُسْنَد أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( هَلْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ) . فَالْأَعْمَال فَاسِدَة وَالضُّعَفَاء مُهْمَلُونَ وَالصَّبْر قَلِيل وَالِاعْتِمَاد ضَعِيف وَالتَّقْوَى زَائِلَة . قَالَ اللَّه تَعَالَى : " اِصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّه " [آل عِمْرَان : 200] وَقَالَ : " وَعَلَى اللَّه فَتَوَكَّلُوا " [الْمَائِدَة : 23] وَقَالَ : " إِنَّ اللَّه مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ " [النَّحْل : 128] وَقَالَ : " وَلَيَنْصُرَن اللَّه مَنْ يَنْصُرهُ " [الْحَجّ : 40] وَقَالَ : " إِذَا لَقِيتُمْ فِئَة فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّه كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " [الْأَنْفَال : 45] . فَهَذِهِ أَسْبَاب النَّصْر وَشُرُوطه وَهِيَ مَعْدُومَة عِنْدنَا غَيْر مَوْجُودَة فِينَا , فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى مَا أَصَابَنَا وَحَلَّ بِنَا بَلْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْإِسْلَام إِلَّا ذِكْره , وَلَا مِنْ الدِّين إِلَّا رَسْمه لِظُهُورِ الْفَسَاد وَلِكَثْرَةِ الطُّغْيَان وَقِلَّة الرَّشَاد حَتَّى اِسْتَوْلَى الْعَدُوّ شَرْقًا وَغَرْبًا بَرًّا وَبَحْرًا , وَعَمَّتْ الْفِتَن وَعَظُمَتْ الْمِحَن وَلَا عَاصِم إِلَّا مَنْ رَحِمَ .
{250} وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ
" بَرَزُوا " صَارُوا فِي الْبَرَاز وَهُوَ الْأَفْسَح مِنْ الْأَرْض الْمُتَّسِع . وَكَانَ جَالُوت أَمِير الْعَمَالِقَة وَمَلِكهمْ ظِلُّهُ مِيل . وَيُقَال : إِنَّ الْبَرْبَر مِنْ نَسْله , وَكَانَ فِيمَا رُوِيَ فِي ثَلَاثمِائَةِ أَلْف فَارِس . وَقَالَ عِكْرِمَة : فِي تِسْعِينَ أَلْفًا , وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ كَثْرَة عَدُوّهُمْ تَضَرَّعُوا إِلَى رَبّهمْ , وَهَذَا كَقَوْلِهِ : " وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِير " [آل عِمْرَان : 146] إِلَى قَوْله " وَمَا كَانَ قَوْلهمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبّنَا اِغْفِرْ لَنَا ذُنُوبنَا " [آل عِمْرَان : 147] الْآيَة . وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَقِيَ الْعَدُوّ يَقُول فِي الْقِتَال : ( اللَّهُمَّ بِك أَصُول وَأَجُول ) وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول إِذَا لَقِيَ الْعَدُوّ : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك مِنْ شُرُورهمْ وَأَجْعَلك فِي نُحُورهمْ ) وَدَعَا يَوْم بَدْر حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ يَسْتَنْجِز اللَّه وَعْده عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي [آل عِمْرَان] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
{251} فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ
أَيْ فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ النَّصْر " فَهَزَمُوهُمْ " : فَكَسَرُوهُمْ . وَالْهَزْم : الْكَسْر وَمِنْهُ سِقَاء مُتَهَزِّم , أَيْ اِنْثَنَى بَعْضه عَلَى بَعْض مَعَ الْجَفَاف , وَمِنْهُ مَا قِيلَ فِي زَمْزَم : إِنَّهَا هَزْمَةُ جِبْرِيل أَيْ هَزَمَهَا جِبْرِيل بِرِجْلِهِ فَخَرَجَ الْمَاء . وَالْهَزْم : مَا تَكَسَّرَ مِنْ يَابِس الْحَطَب .
{251} فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ
وَذَلِكَ أَنَّ طَالُوت الْمَلِك اِخْتَارَهُ مِنْ بَيْن قَوْمه لِقِتَالِ جَالُوت , وَكَانَ رَجُلًا قَصِيرًا مِسْقَامًا مِصْفَارًا أَصْغَر أَزْرَق , وَكَانَ جَالُوت مِنْ أَشَدّ النَّاس وَأَقْوَاهُمْ وَكَانَ يَهْزِم الْجُيُوش وَحْده , وَكَانَ قَتْل جَالُوت وَهُوَ رَأْس الْعَمَالِقَة عَلَى يَده . وَهُوَ دَاوُد بْن إِيشَى - بِكَسْرِ الْهَمْزَة , وَيُقَال : دَاوُد بْن زَكَرِيَّا بْن رشوى , وَكَانَ مِنْ سِبْط يَهُوذَا بْن يَعْقُوب بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِمْ السَّلَام , وَكَانَ مِنْ أَهْل بَيْت الْمَقْدِس جُمِعَ لَهُ بَيْن النُّبُوَّة وَالْمُلْك بَعْد أَنْ كَانَ رَاعِيًا وَكَانَ أَصْغَر إِخْوَته وَكَانَ يَرْعَى غَنَمًا , وَكَانَ لَهُ سَبْعَة إِخْوَة فِي أَصْحَاب طَالُوت , فَلَمَّا حَضَرَتْ الْحَرْب قَالَ فِي نَفْسه : لَأَذْهَبَن إِلَى رُؤْيَة هَذِهِ الْحَرْب , فَلَمَّا نَهَضَ فِي طَرِيقه مَرَّ بِحَجَرٍ فَنَادَاهُ : يَا دَاوُد خُذْنِي فَبِي تَقْتُل جَالُوت , ثُمَّ نَادَاهُ حَجَر آخَر ثُمَّ آخَر فَأَخَذَهَا وَجَعَلَهَا فِي مِخْلَاته وَسَارَ , فَخَرَجَ جَالُوت يَطْلُب مُبَارِزًا فَكَعَّ النَّاس عَنْهُ حَتَّى قَالَ طَالُوت : مَنْ يَبْرُز إِلَيْهِ وَيَقْتُلهُ فَأَنَا أُزَوِّجهُ اِبْنَتِي وَأُحَكِّمهُ فِي مَالِي , فَجَاءَ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ : أَنَا أَبْرُز إِلَيْهِ وَأَقْتُلهُ , فَازْدَرَاهُ طَالُوت حِين رَآهُ لِصِغَرِ سِنّه وَقِصَره فَرَدَّهُ , وَكَانَ دَاوُد أَزْرَق قَصِيرًا , ثُمَّ نَادَى ثَانِيَة وَثَالِثَة فَخَرَجَ دَاوُد , فَقَالَ طَالُوت لَهُ : هَلْ جَرَّبْت نَفْسك بِشَيْءٍ ؟ قَالَ نَعَمْ , قَالَ بِمَاذَا ؟ قَالَ : وَقَعَ ذِئْب فِي غَنَمِي فَضَرَبْته ثُمَّ أَخَذْت رَأْسه فَقَطَعْته مِنْ جَسَده . قَالَ طَالُوت : الذِّئْب ضَعِيف , هَلْ جَرَّبْت نَفْسك فِي غَيْره ؟ قَالَ : نَعَمْ , دَخَلَ الْأَسَد فِي غَنَمِي فَضَرَبْته ثُمَّ أَخَذْت بِلَحْيَيْهِ فَشَقَقْتهمَا , أَفَتَرَى هَذَا أَشَدّ مِنْ الْأَسَد ؟ قَالَ لَا , وَكَانَ عِنْد طَالُوت دِرْع لَا تَسْتَوِي إِلَّا عَلَى مَنْ يَقْتُل جَالُوت , فَأَخْبَرَهُ بِهَا وَأَلْقَاهَا عَلَيْهِ فَاسْتَوَتْ , فَقَالَ طَالُوت : فَارْكَبْ فَرَسِي وَخُذْ سِلَاحِي فَفَعَلَ , فَلَمَّا مَشَى قَلِيلًا رَجَعَ فَقَالَ النَّاس : جَبُنَ الْفَتَى فَقَالَ دَاوُد : إِنَّ اللَّه إِنْ لَمْ يَقْتُلهُ لِي وَيُعِنِّي عَلَيْهِ لَمْ يَنْفَعنِي هَذَا الْفَرَس وَلَا هَذَا السِّلَاح , وَلَكِنِّي أُحِبّ أَنْ أُقَاتِلهُ عَلَى عَادَتِي . قَالَ : وَكَانَ دَاوُد مِنْ أَرْمَى النَّاس بِالْمِقْلَاعِ , فَنَزَلَ وَأَخَذَ مِخْلَاته فَتَقَلَّدَهَا وَأَخَذَ مِقْلَاعه وَخَرَجَ إِلَى جَالُوت , وَهُوَ شَاكٌّ فِي سِلَاحه عَلَى رَأْسه بَيْضَة فِيهَا ثَلَاثمِائَةِ رِطْل , فِيمَا ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيّ وَغَيْره , فَقَالَ لَهُ جَالُوت : أَنْتَ يَا فَتَى تَخْرُج إِلَيَّ ! قَالَ نَعَمْ , قَالَ : هَكَذَا كَمَا تَخْرُج إِلَى الْكَلْب ! قَالَ نَعَمْ , وَأَنْتَ أَهْوَن . قَالَ : لَأُطْعِمَن لَحْمك الْيَوْم لِلطَّيْرِ وَالسِّبَاع , ثُمَّ تَدَانَيَا وَقَصَدَ جَالُوت أَنْ يَأْخُذ دَاوُد بِيَدِهِ اِسْتِخْفَافًا بِهِ , فَأَدْخَلَ دَاوُد يَده إِلَى الْحِجَارَة , فَرُوِيَ أَنَّهَا اِلْتَأَمَتْ فَصَارَتْ حَجَرًا وَاحِدًا , فَأَخَذَهُ فَوَضَعَهُ فِي الْمِقْلَاع وَسَمَّى اللَّه وَأَدَارَهُ وَرَمَاهُ فَأَصَابَ بِهِ رَأْس جَالُوت فَقَتَلَهُ , وَحَزَّ رَأْسه وَجَعَلَهُ فِي مِخْلَاته , وَاخْتَلَطَ النَّاس وَحَمَلَ أَصْحَاب طَالُوت فَكَانَتْ الْهَزِيمَة . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّمَا أَصَابَ بِالْحَجَرِ مِنْ الْبَيْضَة مَوْضِع أَنْفه , وَقِيلَ : عَيْنه وَخَرَجَ مِنْ قَفَاهُ , وَأَصَابَ جَمَاعَة مِنْ عَسْكَره فَقَتَلَهُمْ . وَقِيلَ : إِنَّ الْحَجَر تَفَتَّتَ حَتَّى أَصَابَ كُلّ مَنْ فِي الْعَسْكَر شَيْء مِنْهُ , وَكَانَ كَالْقَبْضَةِ الَّتِي رَمَى بِهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَوَازِن يَوْم حُنَيْن , وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاس فِي قَصَص هَذِهِ الْآي , وَقَدْ ذَكَرْت لَك مِنْهَا الْمَقْصُود وَاَللَّه الْمَحْمُود .
قُلْت : وَفِي قَوْل طَالُوت : ( مَنْ يَبْرُز لَهُ وَيَقْتُلهُ فَإِنِّي أُزَوِّجهُ اِبْنَتِي وَأُحَكِّمهُ فِي مَالِي ) مَعْنَاهُ ثَابِت فِي شَرْعنَا , وَهُوَ أَنْ يَقُول الْإِمَام : مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ كَذَا , أَوْ أَسِير فَلَهُ كَذَا عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي [الْأَنْفَال] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُبَارَزَة لَا تَكُون إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَام , كَمَا يَقُولهُ أَحْمَد وَإِسْحَاق وَغَيْرهمَا . وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ الْأَوْزَاعِيّ فَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَحْمِل أَحَد إِلَّا بِإِذْنِ إِمَامه . وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْس بِهِ , فَإِنْ نَهَى الْإِمَام عَنْ الْبَرَاز فَلَا يُبَارِز أَحَد إِلَّا بِإِذْنِهِ . وَأَبَاحَتْ طَائِفَة الْبَرَاز وَلَمْ تَذْكُر بِإِذْنِ الْإِمَام وَلَا بِغَيْرِ إِذْنه , هَذَا قَوْل مَالِك . سُئِلَ مَالِك عَنْ الرَّجُل يَقُول بَيْن الصَّفَّيْنِ : مَنْ يُبَارِز ؟ فَقَالَ : ذَلِكَ إِلَى نِيَّته إِنْ كَانَ يُرِيد بِذَلِكَ اللَّه فَأَرْجُو أَلَّا يَكُون بِهِ بَأْس , قَدْ كَانَ يُفْعَل ذَلِكَ فِيمَا مَضَى . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا بَأْس بِالْمُبَارَزَةِ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : الْمُبَارَزَة بِإِذْنِ الْإِمَام حَسَن , وَلَيْسَ عَلَى مَنْ بَارَزَ بِغَيْرِ إِذْن الْإِمَام حَرَج , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَكْرُوهٍ لِأَنِّي لَا أَعْلَم خَبَرًا يَمْنَع مِنْهُ .
{251} فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ
قَالَ السُّدِّيّ : أَتَاهُ اللَّه مُلْك طَالُوت وَنُبُوَّة شَمْعُون . وَاَلَّذِي عَلَّمَهُ هُوَ صَنْعَة الدُّرُوع وَمَنْطِق الطَّيْر وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاع مَا عُلِّمَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ أَنَّ اللَّه أَعْطَاهُ سِلْسِلَة مَوْصُولَة بِالْمَجَرَّةِ وَالْفَلَك وَرَأْسهَا عِنْد صَوْمَعَة دَاوُد , فَكَانَ لَا يَحْدُث فِي الْهَوَاء حَدَث إِلَّا صَلْصَلَتْ السِّلْسِلَة فَيَعْلَم دَاوُد مَا حَدَثَ , وَلَا يَمَسّهَا ذُو عَاهَة إِلَّا بَرِئَ , وَكَانَتْ عَلَامَة دُخُول قَوْمه فِي الدِّين أَنْ يَمَسُّوهَا بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَمْسَحُونَ أَكُفّهُمْ عَلَى صُدُورهمْ , وَكَانُوا يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا بَعْد دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى أَنْ رُفِعَتْ .
{251} فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ
أَيْ مِمَّا شَاءَ , وَقَدْ يُوضَع الْمُسْتَقْبَل مَوْضِع الْمَاضِي , وَقَدْ تَقَدَّمَ .
{251} فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ
فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ " كَذَا قِرَاءَة الْجَمَاعَة , إِلَّا نَافِعًا فَإِنَّهُ قَرَأَ " دِفَاعُ " وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَصْدَرًا لِفِعْلٍ كَمَا يُقَال : حَسَبْت الشَّيْء حِسَابًا , وَآبَ إِيَابًا , وَلَقِيته لِقَاء , وَمِثْله كَتَبَهُ كِتَابًا , وَمِنْهُ " كِتَاب اللَّه عَلَيْكُمْ " [النِّسَاء : 24] النَّحَّاس : وَهَذَا حَسَن , فَيَكُون دِفَاع وَدَفْع مَصْدَرَيْنِ لِدَفَعَ وَهُوَ مَذْهَب سِيبَوَيْهِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : دَافَعَ وَدَفَعَ بِمَعْنًى وَاحِد , مِثْل طَرَقْت النَّعْل وَطَارَقْت , أَيْ خَصَفْت إِحْدَاهُمَا فَوْق الْأُخْرَى , وَالْخَصْف : الْخَرْز . وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدَة قِرَاءَة الْجُمْهُور " وَلَوْلَا دَفْع اللَّه " . وَأَنْكَرَ أَنْ يُقْرَأ " دِفَاع " وَقَالَ : لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَا يُغَالِبهُ أَحَد . قَالَ مَكِّيّ : هَذَا وَهْم تَوَهَّمَ فِيهِ بَاب الْمُفَاعَلَة وَلَيْسَ بِهِ , وَاسْم " اللَّه " فِي مَوْضِع رَفْع بِالْفِعْلِ , أَيْ لَوْلَا أَنْ يَدْفَع اللَّه . و " دِفَاع " مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ عِنْد سِيبَوَيْهِ . " النَّاس " مَفْعُول , " بَعْضهمْ " بَدَل مِنْ النَّاس , " بِبَعْضٍ " فِي مَوْضِع الْمَفْعُول الثَّانِي عِنْد سِيبَوَيْهِ , وَهُوَ عِنْده مِثْل قَوْلك : ذَهَبْت بِزَيْدٍ , فَزَيْد فِي مَوْضِع مَفْعُول فَاعْلَمْهُ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي النَّاس الْمَدْفُوع بِهِمْ الْفَسَاد مَنْ هُمْ ؟ فَقِيلَ : هُمْ الْأَبْدَال وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا كُلَّمَا مَاتَ وَاحِد بَدَّلَ اللَّه آخَر , فَإِذَا كَانَ عِنْد الْقِيَامَة مَاتُوا كُلّهمْ , اِثْنَانِ وَعِشْرُونَ مِنْهُمْ بِالشَّامِ وَثَمَانِيَة عَشَر بِالْعِرَاقِ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِنَّ الْأَبْدَال يَكُونُونَ بِالشَّامِ وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا كُلَّمَا مَاتَ مِنْهُمْ رَجُل أَبْدَلَ اللَّه مَكَانه رَجُلًا يُسْقَى بِهِمْ الْغَيْث وَيُنْصَر بِهِمْ عَلَى الْأَعْدَاء وَيُصْرَف بِهِمْ عَنْ أَهْل الْأَرْض الْبَلَاء ) ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي " نَوَادِر الْأُصُول " . وَخَرَّجَ أَيْضًا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء قَالَ : إِنَّ الْأَنْبِيَاء كَانُوا أَوْتَاد الْأَرْض , فَلَمَّا اِنْقَطَعَتْ النُّبُوَّة أَبْدَلَ اللَّه مَكَانهمْ قَوْمًا مِنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَال لَهُمْ الْأَبْدَال , لَمْ يَفْضُلُوا النَّاس بِكَثْرَةِ صَوْم وَلَا صَلَاة وَلَكِنْ بِحُسْنِ الْخُلُق وَصِدْق الْوَرَع وَحُسْن النِّيَّة وَسَلَامَة الْقُلُوب لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصِيحَة لَهُمْ اِبْتِغَاء مَرْضَاة اللَّه بِصَبْرٍ وَحِلْم وَلُبّ وَتَوَاضُع فِي غَيْر مَذَلَّة , فَهُمْ خُلَفَاء الْأَنْبِيَاء قَوْم اِصْطَفَاهُمْ اللَّه لِنَفْسِهِ وَاسْتَخْلَصَهُمْ بِعِلْمِهِ لِنَفْسِهِ , وَهُمْ أَرْبَعُونَ صِدِّيقًا مِنْهُمْ ثَلَاثُونَ رَجُلًا عَلَى مِثْل يَقِين إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن , يَدْفَع اللَّه بِهِمْ الْمَكَارِه عَنْ أَهْل الْأَرْض وَالْبَلَايَا عَنْ النَّاس , وَبِهِمْ يُمْطَرُونَ وَيُرْزَقُونَ , لَا يَمُوت الرَّجُل مِنْهُمْ حَتَّى يَكُون اللَّه قَدْ أَنْشَأَ مَنْ يَخْلُفهُ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : وَلَوْلَا دَفْع اللَّه الْعَدُوّ بِجُنُودِ الْمُسْلِمِينَ لَغَلَبَ الْمُشْرِكُونَ فَقَتَلُوا الْمُؤْمِنِينَ وَخَرَّبُوا الْبِلَاد وَالْمَسَاجِد . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ : هُمْ الشُّهُود الَّذِينَ تُسْتَخْرَج بِهِمْ الْحُقُوق . وَحَكَى مَكِّيّ أَنَّ أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى : لَوْلَا أَنَّ اللَّه يَدْفَع بِمَنْ يُصَلِّي عَمَّنْ لَا يُصَلِّي وَبِمَنْ يَتَّقِي عَمَّنْ لَا يَتَّقِي لَأُهْلِكَ النَّاس بِذُنُوبِهِمْ , وَكَذَا ذَكَرَ النَّحَّاس وَالثَّعْلَبِيّ أَيْضًا . قَالَ الثَّعْلَبِيّ وَقَالَ سَائِر الْمُفَسِّرِينَ : وَلَوْلَا دِفَاع اللَّه الْمُؤْمِنِينَ الْأَبْرَار عَنْ الْفُجَّار وَالْكُفَّار لَفَسَدَتْ الْأَرْض , أَيْ هَلَكَتْ وَذَكَرَ حَدِيثًا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ اللَّه يَدْفَع الْعَذَاب بِمَنْ يُصَلِّي مِنْ أُمَّتِي عَمَّنْ لَا يُصَلِّي وَبِمَنْ يُزَكِّي عَمَّنْ لَا يُزَكِّي وَبِمَنْ يَصُوم عَمَّنْ لَا يَصُوم وَبِمَنْ يَحُجّ عَمَّنْ لَا يَحُجّ وَبِمَنْ يُجَاهِد عَمَّنْ لَا يُجَاهِد , وَلَوْ اِجْتَمَعُوا عَلَى تَرْك هَذِهِ الْأَشْيَاء مَا أَنْظَرَهُمْ اللَّه طَرْفَة عَيْن - ثُمَّ تَلَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْض ) . وَعَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَة تُنَادِي كُلّ يَوْم لَوْلَا عِبَاد رُكَّعٌ وَأَطْفَال رُضَّع وَبَهَائِم رُتَّع لَصُبَّ عَلَيْكُمْ الْعَذَاب صَبًّا ) خَرَّجَهُ أَبُو بَكْر الْخَطِيب بِمَعْنَاهُ مِنْ حَدِيث الْفُضَيْل بْن عِيَاض . حَدَّثَنَا مَنْصُور عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَلْقَمَة عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْلَا فِيكُمْ رِجَال خُشَّع وَبَهَائِم رُتَّع وَصِبْيَان رُضَّع لَصُبَّ الْعَذَاب عَلَى الْمُؤْمِنِينَ صَبًّا ) . أَخَذَ بَعْضهمْ هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ : لَوْلَا عِبَاد لِلْإِلَهِ رُكَّع وَصِبْيَة مِنْ الْيَتَامَى رُضَّع وَمُهْمَلَات فِي الْفَلَاة رُتَّع صُبَّ عَلَيْكُمْ الْعَذَاب الْأَوْجَع وَرَوَى جَابِر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ اللَّه لَيُصْلِح بِصَلَاحِ الرَّجُل وَلَده وَوَلَد وَلَده وَأَهْله دُوَيْرَته وَدُوَيْرَات حَوْله وَلَا يَزَالُونَ فِي حِفْظ اللَّه مَا دَامَ فِيهِمْ ) . وَقَالَ قَتَادَة : يَبْتَلِي اللَّه الْمُؤْمِن بِالْكَافِرِ وَيُعَافِي الْكَافِر بِالْمُؤْمِنِ . وَقَالَ اِبْن عُمَر قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه لَيَدْفَع بِالْمُؤْمِنِ الصَّالِح عَنْ مِائَة مِنْ أَهْل بَيْته وَجِيرَانه الْبَلَاء ) . ثُمَّ قَرَأَ اِبْن عُمَر " وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْض " . وَقِيلَ : هَذَا الدَّفْع بِمَا شَرَعَ عَلَى أَلْسِنَة الرُّسُل مِنْ الشَّرَائِع , وَلَوْلَا ذَلِكَ لَتَسَالَبَ النَّاس وَتَنَاهَبُوا وَهَلَكُوا , وَهَذَا قَوْل حَسَن فَإِنَّهُ عُمُوم فِي الْكَفّ وَالدَّفْع وَغَيْر ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ . " وَلَكِنَّ اللَّه ذُو فَضْل عَلَى الْعَالَمِينَ " . بَيَّنَ سُبْحَانه أَنَّ دَفْعه بِالْمُؤْمِنِينَ شَرّ الْكَافِرِينَ فَضْل مِنْهُ وَنِعْمَة .
{252} تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
" تِلْكَ " اِبْتِدَاء " آيَات اللَّه " خَبَره , وَإِنْ شِئْت كَانَ بَدَلًا وَالْخَبَر " نَتْلُوهَا عَلَيْك بِالْحَقِّ " . " وَإِنَّك لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ " خَبَر إِنَّ أَيْ وَإِنَّك لَمُرْسَل . نَبَّهَ اللَّه تَعَالَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَات الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرهَا لَا يَعْلَمهَا إِلَّا نَبِيّ مُرْسَل
المراجع
quran.al-islam.com/Page.aspx?pageid=221&BookID=11&Page=1موسوعه الاسلام
التصانيف
تصنيف :تفسير القران الكريم
login |