قالها لي: «اُكتُبْ وحَلِّقْ يا مهند.. التَّحيُّاتُ لك».. لم أرَهُ.. ولمْ أجالسُه.. مُجرَّد رسالةٍ ومقالٍ! وقال لي: «أكتُب وحَلِّقْ..».
ما أجمَلَ هذه الروح والتي لا تَعْرِفُ التكبُّر، ولا تعْرِفُ الأبراجَ العالية... لِيَنجَحَ الإنسان في حياته لابُد مِنْ أن يكون متواضِعاً... ولكيّ يكتَسِبُ محبَّة الأشخاص الذين حوله واحترامهم له لابُدّ مِنْ أن يكون متواضِعاً... ولكِيّ يحِبَّ الإنسان نفسهُ ويحترمها لا بُدّ من أن يكون مُتواضِعاً... فالحَكْيُ أحَدُ أمتعِ الفنون الأدبيّة، وأكثرِها شعبيّة، وأحبِّها إلى النفوس، فهو المتعَة التي يتشاركها طرفان؛ طَرْفٌ يَحكي وطَرْفٌ يُحكَى له، وثالثتهما هي «الحِكاية» التي تجري على لسانِ حاكيها في ساعةٍ مِنْ ساعاتِ الشَّغَفِ، مُحمَّلةً بأصْداءِ الموروث، وخبراتِ الآباءِ والأجدادِ؛ لِتَتَسَلَّلَ بلُطْفٍ إلى السَّامِع، يطرَبُ لمعانيها طربًا لا يَقِلُّ عن طربه بحُلْوِ صياغتها وجميل عبارتها.
يجبُ أن يكونَ أدَبُ النَّفسِ أساسَ أدبِ الجوارح، وأن يكون أدبُ الجوارحِ تابعًا له وأثَرًا مِنْ آثارِه، فإن أبى الناسُ إلا أن يجعَلوا أدبَ الحركاتِ والسَّكنات أساسَ أعمالِهم وعلائقِهم وميزانَ قِيَمِهم وأقدارِهم، فليعلَموا أن العالَمَ كلَّه قد استحال إلى مسرحِ تمثيلٍ، وأنهم لا يؤدُّونَ فيه غير وظيفةِ الممثِّلين الكاذبين..!
ذلك هو الأدبُ الذي أصبَحَ في هذه العصور؛ رأيًا عامًّا يشتركُ فيه خاصَّةُ الناس وعامَّتُهم، وعُقَلاؤهم وجُهَلاؤهم، ويُعلِّمُه الوالدُ ولدَه، والأستاذُ تلميذَه، ويقتتل الناس اقتتالاً شديدًا على انتحالِه والتجمُّل به، كما يقتتِلون على أعزِّ الأشياءِ وأنفَسِها حتى تبدَّلَتِ الصُّور، وانعكستِ الحقائقُ، وأصبَح الرَّجُلُ الصادق المُخلص أحرَجَ الناسِ بصِدقِه وإخلاصِهِ صَدْرًا، وأضَلَّهم بهما سبيلاً، لا يدري أيكذِبُ فيُسخِط ربَّه ويُرضي الكاذبين، أم يصدُقُ فيُرضي نفسَه ويُسخِط الناسَ أجمعين، ولا يعلَمُ أيهجَرُ هذا العالَمَ إلى عُزلةٍ مُنقَطعَةٍ يقضي فيها بقيةَ أيام حياتِه غريبًا شريدًا، أم يبرُزُ للعيونِ فيموت هَمًّا وكَمَدًا...!
وأفضلُ أولئك الذين برَعوا في فنِّ «الآدابِ العالية» أي: فنُّ الرِّياء والنِّفاقِ - وتفوَّقوا في استظهار تلك الصورِ الجامدة التي تَواضَع عليها جماعة «الظُّرفاء» في التحية والسلام، واللقاء والفِراق، والزيارة والاستزارة، والمجالسة والمنادمة، وأمثال ذلك مما يرجِعُ العِلمُ به غالبًا إلى صِغَر النفس وإسفافِها أكثرَ مما يرجع إلى أدبِها وكمالها، فكان الناس لا يستنكرون مِنَ السَّيئةِ إلا لونَها، فإذا جاءتهم في ثوبٍ غيرِ ثوبها أَنِسُوا بها، وسَكنوا إليها، ولا يُعجِبهم مِنَ الحسنة إلا صورتُها، فإذا لم تأتِهم مِنَ الصورةِ التي تُعجِبُهم وتَرُوقهم عافُوها، وزهَدوا فيها؛ أيّ إنهم يُفضِّلون اليدَ النَّاعمة التي تحمِلُ خَنْجَرًا على اليدِ الخَشِنة التي تحمل بَدْرةً، ويؤثِرون كأسَ البِلَّوْر المملوءةَ سَمًّا على كأسِ الخزَفِ المملوءةِ ماءً زُلالاً، ولقد سمعتُ بأُذُني مَن أخذ يعُدُّ لرجلٍ من أصدقائه مِنَ السيئات ما لو وُزِّع على الخَلْق جميعًا للَوَّثَ صحائفهم، ثم ختم كلامه بقوله: وإني على ذلك مِنَ الشاهدين..!
المراجع
addustour.com
التصانيف
سيرة ذاتية أدب تراجم العلوم الاجتماعية