العقيد رفعت الأسد

رفعت الأسد هو من مواليد عام 1937 م وهو الاخ الأصغر للرئيس السوري السابق حافظ الأسد وعم الرئيس السوري الحالي بشار الأسد، وقد قاد وأشرف ونفذ الحملة التي تمت في عام 1982م ضد الإخوان المسلمين في حماة، وهي المسؤولية التي تبناها وزير الدفاع السوري في مذكراته المنشورة عام 2004م، حيث أشار إلى أنه قد كلف فصائل من سرايا الدفاع للقيام بمهمات محددة من ضمن فصائل قام باستدعائها من فرق وألوية الجيش العربي السوري، وسقط ضحيتها الكثير من الضحايا.. كما يفترض أنه مسؤول عن مجزرة سجن تدمر في عام 1980م التي نفذتها عناصر من سرايا الدفاع بأمر منه، وقد اعترفت المجموعة التي حاولت اغتيال رئيس الوزراء الأردني مضر بدران بعد إلقاء القبض عليها عند التحقيق معها، وقد نقلت وسائل الإعلام الأردنية هذه الاعترافات، عن مشاركتها في مجزرة تدمر التي نفذت بأمر من العقيد رفعت الأسد، ورفعت مسؤول عن مجزرة المشارقة في مدينة حلب والتي تمت بأمر منه بحسب تصريحات المقدم هاشم معلا للعقيد طاهر سلطان رئيس الضابطة الجمركية في حلب آنذاك.

في مرحلة الثمانينات كان مسؤولاً عن سرايا الدفاع، والتي يعتقد أنها كانت من أقوى فرق الجيش العربي السوري، وأكثرها دعماً. وفي خلال تلك الفترة عام 1985م تم تعيين رفعت في منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية العربية السورية لشؤون الأمن، وقد رفض ممارسة أي مهام أو مسؤولية في سورية منذ ذلك الوقت، وغادر القطر إلى مواقع عديدة ليستقر عام 1986م في باريس بدعوة رسمية من السلطات الفرنسية. ثم عاد عام 1992م إلى سورية ليشارك في تشييع والدته التي توفيت وهو في باريس. ورغم عدم مشاركته في تحمل مسؤولية القرارات السياسية والاقتصادية في الجمهورية العربية السورية، إلا أنه أعرب عن عدم رضاه بشأن العديد من القرارات التي اتخذت بين عامي 1992م و1998م، ولما لم يكن هناك إصغاء للملاحظات التي كان يبديها، فقد قرر مغادرة سورية إلى باريس من جديد عام 1998م. وقد جرت بعد مغادرته للجمهورية العربية السورية أقاويل عن امتلاكه لميناء خاص قرب مدينة اللاذقية. وعن كون هذا الميناء خارج سيطرة الحكومة السورية، إلى أن أمر الرئيس بشار الأسد في عام 1999م بمداهمة هذا الميناء، والذي أدى إلى وقوع مئات الضحايا المدنيين بين قتيل وجريح، من جراء عملية الاقتحام المسلح الذي تم بواسطة الدبابات والقوارب البحرية وطائرات الهليكوبتر ومدافع الـ "آر بي جي".

كما يقيم رفعت في مدينة ماربيا الأسبانية, حيث يملك فنادق وحانات ومقاهي فيها ويعد من المستثمرين المهمين في بورتو بانوس أحد أهم المرافئ السياحية حيث يمتلئ بأكبر يخوت العالم ضخامة وفخامة وأيضا يتنقل في عواصم أوروبا حيث يمتلك القصور والعقارات التجارية والأستثمارات ويمتلك محطة ANN الفضائية العربية وعدد من الصحف والمجلات، كما يوجد لديه عدد من شركات المقاولات الخاصة به، وما يجدر ذكره عنه أنه كان أحد الشركاء الرئيسين في مشروع نفق المانش حيث تشير بعض التقديرات إلى أن حصة شراكته بلغت نحو 25% من قيمته.

حيث أشاعت صحف كثيرة أن رفعت الأسد يشتهر بحياة البذخ و القمار في أوروبا هو وأولاده ومن بينها صحيفة لوفيغارو الفرنسية، التي ادعت عام 1990م أن تكلفة إقامة رفعت الأسد وأولاده وحاشيتهم أنها تناهز الستين ملون فرنك فرنسي سنوياً أي ما يعادل قرابة العشر مليون دولار. وتذكر نفس الصحيفة أن حوالي ربع هذا المبلغ يتم إنفاقه أي خسارته في نوادي القمار وذلك لإدمان رفعت الأسد وابنه سومر على لعب القمار.

ويذكر أن رفعت قام بحملة تنصير (نشرالمذهب النصيري المعروف انتشاره في سلسلة جبال العلويين بسورية) بين عامي 1979 و1980م وقام بإعدام حوالي 3750 شخص ممن رفضوا اعتناق هذا المذهب(كتاب سياسة بلا أديان للدكتور خليل صبحي).ويروي العماد مصطفى طلاس وزير الدفاع السابق أيام الرئيس الراحل حافظ الأسد في مذكراته أحداث محاولة انقلاب رفعت الأسد على أخيه فيقول:(استشعر الرئيس الأسد أن رفعت جاد في عملية السيطرة على دمشق فطلب مني إحباطها وإشعاره أن المواجهة ستكون عملية انتحارية.في أوائل شهر شباط من العام 1984م كنت متوجهاً إلى مكتبي في القيادة العامة ولدى مروري قرب حديقة الجاحظ لاحظت عدّة صور ملصقة على الحيطان لشقيق الرئيس «العميد رفعت الأسد» وكانت الصورة تمثله وهو رافع قبضة يده كدليل على القوة والتحدّي,, ولم أكن مرتاحاً نفسيّاً لهذه المناظر المؤذية والغبية وقلت بنفسي طالما أنّني انزعجت منها فلابدّ أنّ الرئيس حافظ الأسد سيكون أشدّ انزعاجاً لأنّ هذا الموضوع يخصّه بالدرجة الأولى قولاً واحداً.كان الرئيس الأسد الشخص الوحيد الذي يتابع المواضيع الأمنية داخل الوحدة /569/ (سرايا الدفاع) ذلك أنّ العميد رفعت عندما كان يستشعر أنّ أحد ضبّاط الأمن في وحدته يتعامل مع شعبة المخابرات كان يزجّ به في السجن الخاص بالوحدة ولا يعود أحد يعرف عنه شيئاً لذلك أصبحت الوحدة تشكل (غيتو) خاصاً يصعب انتهاكه ومع هذا فقد كان للقائد الرئيس حافظ الأسد بعض الضباط داخل الوحدة يزوّدونه بأخبارها الخاصة عبر قنوات سريّة للغاية لم يستطع حتى رفعت نفسه أنْ يحيط بها, وبدأت تتشكّل القناعة لدى القائد الأسد أنّ رفعت يبيّت شيئاً ما وأنّ الوحدة في حالة استنفار دائم مع أنّ الظروف المحلية لم تكن تستوجب ذلك.

إقصاء قائد الكتيبة (170):

في منتصف شهر شباط عام 1984م وجّه القائد حافظ الأسد بنقل قائد الكتيبة «170» (كان القائد الأسد يهدف من وراء عملية حماية القيادة العامة من سيطرة العميد رفعت المباشرة عليها كما أن تغيير القائد المحسوب شخصياً على رفعت وبخاصة في هذا المركز وفي هذا الظرف يعني أن صاحب القرار في تعيين الضباط ونقلهم هو الرئيس الأسد قولاً واحداً, كما أن نقل هذا الضابط يعتبر أول ثقب في قلعة رفعت الأسد) وهي الوحدة المكلّفة بحراسة مبنى القيادة العامة ووزارة الدفاع وكان قائد الكتيبة العقيد سليم بركات من أتباع العميد رفعت الأسد ومن المحسوبين عليه شخصيّاً وقد تمكّن رفعت من إقناع الرئيس الأسد بتعيين هذا الضابط (رغم قلة كفاءته المسلكية) في فترة نشاط الإخوان المسلمين في أواخر السبعينيات ورغم معرفتي بتفاهة هذا الضابط ويشاركني في الرأي رئيس الأركان العماد حكمت الشهابي ورئيس شعبة المخابرات اللواء علي دوبا فانّنا لم نُبدِ رأينا بصراحة وتركنا الأمر يصدر دونما لفت نظر للسيد الرئيس لأننا كنّا نعلم أنّ رفعت كان هو وراء هذا التعيين وكان الهاجس الأمني هو المسيطر على ذهن السيد الرئيس ولذلك كانت الكفاءة العسكرية تتراجع إلى المرتبة الثانية.ولمّا كان أول الغيث قطرة فقد صدر الأمر بنقل الضابط المذكور بتاريخ 19/2/1984م وتعيين المقدّم علي يونس عوضاً عنه وتمّ إبلاغ أمر النقل لقائد الكتيبة «170» من قِبل العماد حكمت الشّهابي لأنه يتبع إليه مباشرة وكان ذلك في 18/2/1984م الساعة الحادية عشرة صباحاًَ كما تمّ إبلاغ اللواء علي دوبا من قِبل العماد حكمت أيضاً بأنّ قائد الكتيبة المنقول محظر عليه دخول مبنى القيادة العامة بتاتاً.غادر قائد الكتيبة «170» مبنى القيادة العامة وهو بحالة غضب شديد وتوجّه مباشرة إلى مقر قيادة العميد رفعت الأسد في القابون وشكا له الأمر وكان توجيه رفعت للضابط بأنّ يعود مساءً إلى قيادة الكتيبة ويتسلّم قيادتها من جديد وكان العميد رفعت يعتقد بداخل نفسه بأن القائد الأسد أصدر أمراً بنقل أربعة عشر ضابطاً من المحسوبين على رفعت الأسد بتاريخ سابق ولم ينفذ منهم أحداً الأمر وسكت الرئيس الأسد على مضض ولو لم يكن هؤلاء محسوبين على شقيقه رفعت لكان مصيرهم السجن أو العزل من الجيش في أضعف الاحتمالات.

كما انه فيتوقيت  الساعة الخامسة بعد الظهر عاد قائد الكتيبة المنقول العقيد سليم بركات إلى مقر القيادة العامة ولم يمانع الحرس لأنّهم أساساً من عناصره وطلب إلى قادة السرايا أنْ يجمعوا له عناصر الكتيبة بلباس الميدان الكامل وبعد دقائق كان الاجتماع جاهزاً في ساحة الأركان الخلفية فخطب بهم قائلاً: «لقد عيّنت قائداً للكتيبة بتوجيهات من العميد رفعت الأسد ولن أغادر هذه الكتيبة إلا بأوامر شخصية من القائد رفعت الأسد (كان هذا التعبير يروق كثيراً للعميد رفعت ولذلك كان عناصر سرايا الدفاع كافة يردّدون هذه العبارات وكذلك المنافقون من عسكريين ومدنيين.وعَلِمَ اللواء علي دوبا بالأمر من قائد الكتيبة الجديد فتوجّه مباشرةً بسيارته إلى مقر قائد الكتيبة وطلب إلى العقيد أسعد صباغ والمرافقة أنْ تلحق به وصعد مباشرة إلى حيث يتواجد العقيد بركات وتوجّه نحوه قائلاً: لقد انتهى كل شيء ولم يعد لك مكان في هذه الكتيبة وعليك أنْ تغادر فوراً, وصرخ العقيد بركات وهو شاهر مسدسه: سيدي اللواء لا تقترب منّي رجاءً, فقال له اللواء دوبا: بل سأقترب منك يا ابن الكلب.وفي هذه اللحظة وصل العقيد صباغ وعناصر المرافقة (أربعة مساعدين مسلّحين بالبنادق الروسية) وقاموا بتجريد العقيد بركات من سلاحه وهتف اللواء دوبا إلى العماد حكمت بأنّ المسألة قد حُلّت, والتفت إلى العقيد سليم قائلاً: أتشهر مسدّسك عليَّ يا سليم فقال له: معقول يا أبا محمد أنْ أشهر مسدّسي عليك, وهنا قام اللواء دوبا بصفع العقيد بركات على خدّه: أنا اللواء علي دوبا ولست أبا محمد سأحاكمك يا سليم بركات, ثم أمر اللواء دوبا بإطفاء الأنوار في الكتيبة وأمر العقيد أسعد صباغ بإنزال العقيد بركات في سيارته وزجّه في سجن الشرطة العسكرية بموقع القابون وانتهت الحادثة دون ضجيج وبقي الذين يعلمون بها محصورين في أشخاص معدودين.

بداية المواجهة الحامية بين الطرفين:

كما لم يهضم العميد رفعت الأسد هذا الإجراء ولم يقتنع به ، ولذلك قرّر المواجهة بعد نصائح أصدقائه، في الداخل والخارج، التي أخفقت معها الأساليب كافة للسيطرة على قرار الرئيس حافظ الأسد المستقل والذي يخدم المصلحة السورية ويتناغم مع مصلحة الأمة العربية، ولهذا وجدت واشنطن الفرصة مناسبة لكي توجّه عملاءها نحو تصعيد الأمور في وجه الرئيس الأسد، لأنّ شقيقه رفعت سيكون حتماً مطواعاً لسياسة البيت الأبيض وعلى النقيض من شقيقه وفقاً لحساباتهم ومعلوماتهم ومعلومات أصدقائهم, وكما ذكرت فانّ الرئيس الأسد كان الشخص الوحيد في القوات المسلحة الذي يمسك ببعض الخيوط الأمنية في سرايا الدفاع وعندما تأكّد أنّ المواجهة قادمة لا محالة وأنّ رفعت الأسد قد رفع الجاهزية القتالية في سرايا الدفاع منذ أسبوع أي أنّ العملية جديّة وليست عملية اختبارية لتفقّد الجاهزية القتالية للتشكيل.

وفي الساعة الثانية إلاّ ربعاً من صباح 25/2/1984م هتف لي الرئيس الأسد إلى المنـزل وأعطاني التوجيه التالي: «ارتد لباسك العسكري وتوجّه مباشرة إلى مكتبك في القيادة العامة واستنفر التشكيلات الضاربة القريبة من دمشق وارفع درجة استعدادها القتالي إلى الكامل لأنّ العميد رفعت الأسد استنفر سرايا الدفاع بالكامل وهو يعدّ العدّة للسيطرة على دمشق لذلك يجب أنْ تتّخذ الإجراءات كافة لإحباط خططه وليكن في علمك أنّ رفعت الآن جادٌّ هذه المرة في موقفه وأنا أعرف أنّك لا تخاف من أحد ولكن يجب أنْ تضع في اعتبارك أنّ المواجهة قائمة لا محالة ولذلك ليس أمامك من طريق سوى إشعاره بأنّ المواجهة مع الجيش ستكون عملية انتحارية له ولأتباعه كافة.

الوحدات الخاصة تبدّل ولاءها:

في تمام الساعة التاسعة صباحاً كان في مكتبي العميد صبحي الطيب ورئيس أركانه العقيد محسن سليمان وأعطيتهما فكرة عن الموقف وقلت لهما لابدّ من قلب معادلة الأمن القريب وهذا لا يكون بعناصر الشرطة العسكرية وإنّما برجال من المغاوير المتمرّسين على القتال ولذلك أطلب إليكما باسم الرئيس حافظ الأسد أن تأمرا الجنود والضباط كافة الذين بإمرتكم أن يتوجهوا فوراً من مكان تمركزهم إلى معرض دمشق الدولي وهو المكان الذي حدّدته كنقطة ازدلاف للجميع، وذلك لقربه من القيادة العامة ولأنّ أجنحته المتعددة والواسعة تسمح بمبيت الرجال دون أنْ نلفت انتباه أحد, وعندما سألني العقيد محسن: كيف نتصرّف إذا حاولت مفارز سرايا الدفاع من الألوية المحيطة بدمشق منعنا؟ وكان جوابي: إنّ الحركة يجب أن تكون إفرادية على السيارات العابرة وبوساطة عربات المبيت شريطة ألا تشكّل العربات أي رتل إطلاقاً وعندما تواجهون عناصر سرايا الدفاع عليكم بضربهم بأخمص البندقية واذا استمرّوا في الممانعة فما عليكم إلاّ أن تقلبوا لهم ظهر المجن ووجّهوا نحوهم فوهة البندقية التي تنبع منها السلطة السياسية في الحالات الثورية كما قال الرفيق «ماوتسي تونغ»، عند ذلك سوف تجدونهم يفرّون من المجابهة لأنّ إرادة القتال لديكم أقوى بكثير وأنتم حُماة السلطة وهم الخارجون على القانون.

وأخيراً سألني العميد صبحي الطيب والعقيد محسن سليمان: طيّب ماذا سنقول للّواء علي حيدر إذا سألنا عن سبب إرسال قواتنا إلى دمشق من دون علمه؟ فقلت لهم: الجواب في منتهى البساطة لقد سأل عنك العماد طلاس فلم يجدك ونظراً لخطورة الحالة فقد استدعانا إلى مكتبه وطلب إلينا تنفيذ توجيهات الرئيس الأسد وهكذا صار, وصافحتهما متمنيّاً لهما التوفيق, وتوجّه قائد الفوج ورئيس أركانه إلى منطقة عنجر وقاما بتنفيذ المهمة على أكمل وجه.في الساعة التاسعة والنصف صباحاً حضر إلى مكتبي العماد حكمت الشهابي والعماد علي أصلان حيث وضعتهما في صورة الموقف وقلت لهما إنّ سبب عدم استدعائهما كان أولاً من أجل تنفيذ عملية الاستنفار بشكل سرّي بحيث لا تعرف به شعبة العمليات إلا لاحقاً حتى لا يعرف العميد رفعت الأسد بالموضوع، هذا من جهة، ومن جهة ثانية لم يكلّفني ذلك سوى بضعة اتصالات هاتفية مع قادة الفرق وقادة التشكيلات وأنتما معتبران حكماً مع الرئيس حافظ الأسد قولاً واحداً, وكان جوابهما: إنّ هذا الموضوع لا يحتاج أبداً إلى نقاش فنحن مع القائد حافظ الأسد على السرّاء والضرّاء.في الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر حاولت أنْ أخلد إلى النوم بعد عمل أربع عشرة ساعة متواصلة ولكن مدير مكتبي بعث إليّ بقصاصة يُعلمني بها بأن اللواء علي حيدر يرغب في مقابلتي، قلت له: دعه يدخل، واستقبلته كالعادة لكنّني لاحظت علائم الاضطراب على وجهه فبادرني قائلاً: سيدي ماذا صنعت أنا لكم وللرئيس حتى تعاملوني كالزوج المخدوع أي آخر من يعلم؟ وكان الرئيس الأسد قد رسم لي خطّة لمعالجة هذا الموقف الطارئ, قلت له بوضوح: إذا كنت حقّاً معنا فما عليك إلاّ أن تطلب من مكتبي العميد رفعت الأسد وتقول له بصراحة موقفك وعند ذلك فقط سوف أتّصل أمامك بالرئيس وسوف أرسلك لمقابلته فوراً لجلاء أي موقف غامض في قناعة السيد الرئيس، فقال لي: اطلب لي العميد رفعت حالاً، وطلبت العميد رفعت على الهاتف المباشر وكان على الخط في أقل من ثوانٍ وقلت له: أخي أبو دريد اللواء علي حيدر يريد أن يكلمك فسألني: هل هو عندك! فأجبته طبعاً،

فقال لي: صار لي من الصبح وأنا أفتش عنه دونما جدوى (في الوقت الذي كان رجال الوحدات الخاصة يتوجهون إلى دمشق من كل فج عميق كان اللواء علي حيدر يتناول الغداء في منزل علي حمية في حور تعلا بالبقاع، وعندما علم بالموضوع قال لعامل المقسم: أريد صبحي الطيب حيا, أو ميتاً، وعندما أخذ الهاتف العميد صبحي الطيب قال للواء علي حيدر: لقد استدعاني العماد طلاس إلى مكتبه مع العقيد محسن سليمان وطلب إلينا نقل الفوج /35/ إلى المعرض لمواجهة عناصر رفعت الأسد وإن هذه الأوامر عكس توجيهات الرئيس الأسد شخصياً فماذا تريدنا أن نفعل؟, فقال له: نفذ أوامر نائب القائد العام) وناولته سمّاعة الهاتف فقال له اللواء علي حيدر: «أبو دريد ما بتعرف أنه في هذا البلد لا يوجد سوى قائد واحد هو الرئيس حافظ الأسد, كيف يقوم عناصر من سرايا الدفاع بهذه الأعمال المشينة التي تسيء إلى انضباط القـوات المسلحة وكان جواب العميد رفعت: (أنت الآن تريد أن تعطيني درساً في الوطنية يلعن أبوك ابن كلب), وأغلق السماعة في وجهه فقال لي اللواء علي حيدر «عجبك»، لقد شتمني وأغلق الهاتف بوجهي، قلت له: الآن حقّ الحق,, واتّصلت بالسيد الرئيس وأعلمته بالحادثة فقال لي: أرسله فوراً إلى القصر الجمهوري، وتوجّه من مكتبي إلى القصر وتمّ التأكيد على ولاء الوحدات الخاصة للرئيس الأسد، وطبّق اللواء علي حيدر حكمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب «الرجوع إلى الحق خير من التّمادي في الباطل», وفي الساعة السابعة مساءً أخذت العلم بأن ألفي ضابط وصف ضابط وجندي من الوحدات الخاصة أصبحوا متمركزين في معرض دمشق الدولي، وبذلك أصبح الأمن القريب لمبنى القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة جيداً وانقلبت المعادلة لصالحنا كنسبة وتناسب في القوى والوسائط.ولم أكتف بذلك فطلبت إلى العميد عدنان الأسد أن يرسل سّريتي م/د واحدة «مالوتكا» حقائب والثانية من طراز (فاغوت) وتم تمركزهما على سطح مبنى القيادة العامة، وبذلك غدت القيادة العامة قلعة محصّنة لا تُنتهك.اتفقت مع عدنان الأسد على تهريب الصواريخ إلى منزل الرئيس في سيارة الإسعاف لأن سرايا الدفاع كانت تحيط بدمشق.كان لابدّ من إصدار الأمر بتشكيل الحرس الجمهوري لإفهام القوات المسلحة بخاصة وبقية فئات الشعب بعامّة بأنّ القصر الجمهوري يحرسه الحرس الجمهوري ولم يعد لسرايا الدفاع أي دور في حماية السيد الرئيس.واتّفقنا على أنْ يكون قوام الحرس الجمهوري فرقة مدرّعة يضاف إليها ثلاثة أفواج حراسة تماثل ملاكاتها أفواج المغاوير في الوحدات الخاصة,

وحتى يولد الحرس الجمهوري واقفاً على رجليه من لحظة تشكيله اقترحت على سيادة الرئيس أن نأتي بوحدات جاهزة من الفرق والتشكيلات مباشرة، وضربت مثلاً إذا أخذنا كتيبة مشاة أو دبابات أو مدفعية من أي فرقة فلن تتأثر جاهزيتها ومن السهل عليها تشكيل كتيبة أخرى من قوام الفرقة وهكذا ظهر في أمر التشكيل للمرّة الأولى اسم الوحدة التي ستنضم إلى الحرس الجمهوري, وقد حاول رفعت الأسد عرقلة هذا التشكيل الذي اعتبره حربة موجّهة إلى عنقه، ومنع بالقوة بعض الكتائب من الالتحاق بالحرس الجمهوري إلاّ أنّ وحدات الدبابات تمكنت من خرق الحصار له والتحقت بالتشكيل الجديد، وكان في المقدمة الكتيبة «259» من اللواء «81» الفرقة الثالثة أول الملتحقين وإنّي لأشعر بالزّهو والاعتزاز بأنّ هذه الكتيبة هي أول كتيبة دبابات تسلّمت قيادتها في حمص بعد ثورة الثامن من آذار المجيدة, وهكذا بدأ الحرس الجمهوري يقف تدريجياً على قدميه ليقوم بمهمّته النّبيلة.

تهريـب الأسلحـة المضـادة للدبابات في العربـة الصحية:

كان منـزل الرئيس الأسد هو الهدف الأول لسرايا الدفاع ولذلك فقد كان يشكل بالنسبة لي هاجساً أمنيّاً يؤرّقني ليل نهار، ولكن هذا الهاجس كان بالنسبة للعميد عدنان مخلوف (الذي عُين قائداً للحرس الجمهوري كابوساً لا يطاق, ولمّا كانت وحدة سرايا الصراع التي يقودها عدنان الأسد مرشّحة للاصطدام فوراً بعناصر سرايا الدفاع التي سوف تتحرك باتجاه دمشق، فقد رأيت من الأفضل أنّ نسحب صواريخ «الفاغوت» من اللواء «65» (مضاد للدروع), ولمّا كان العميد رفعت قد نشر ألويته المحيطة بدمشق وأصبح مسيطراً على المداخل فقد اتفقت مع العميد عدنان بأنّنا سوف نلجأ لتهريب الصواريخ إلى منـزل الرئيس حافظ الأسد بالعربات الصحيّة (سيارات الاسعاف) وعليه أن يفرّغ حمولة العربات ويعيدها إلى مصدرها، واتصلت بالعميد هرمز قائد اللواء أن يحضر ثماني عشرة قاعدة صاروخية من طراز «فاغوت» مع ثلاث وحدات نارية لكل قاعدة ويرسلها إلى منـزل الرئيس الأسد على دفعات (عربات منفردة) وأن يربط جندياً بالشاش الأبيض من يديه ورأسه ويكون (الميكروكروم) بديلاً للدم النازف، وفهم قائد اللواء الغاية من العملية التمثيلية وقلت له: يجب أنْ توصي سائق الصحية بأن يفتح (زمور الخطر) قبل الحاجز بمدة كافية وأن يسابق الريح في الوصول إلى دمشق، وهكذا انطلت اللعبة على العميد رفعت وتم نقل القواعد الصاروخية المطلوبة كافة وأصبحت حول منـزل الرئيس حافظ الأسد، ولكن هذا الموضوع لم يبق سرّاً بيننا نحن الثلاثة وإنّما شاركنا العميد رفعت بالمعلومات عن طريق وشاية قام بها أحد عملائه في اللواء «65» وهو الرائد يوسف العلي، وقد كشف هذا المغفّل عن نفسه بسرعة ولذلك وضعه العميد هرمز تحت الرقابة المشددة، وما أن سافر العميد رفعت إلى موسكو حتى تم نقله إلى مكان ثانوي لا يستطيع به أن يعضّ أو يخرمش, وتم تصنيفه في عداد الضباط غير الجديرين بثقة القيادة العامة، كما تم وضع حواجز حديدية قنفذية حول بيت الرئيس الأمر الذي يعوق حركة الدبابات ويجعلها هدفاً ثابتاً للأسلحة المضادة، وبهذا العمل تمّت عملية تحصين بيت قائد الأمّة ورمزها المفدّى.

تنفيذ أمر نقل الضباط المحسوبين على رفعت:

وفي غمرة لعبة عض الأصابع بيننا و بين العميد رفعت الأسد استأذنت السيد الرئيس القائد العام بتنفيذ أمر النقل للضباط المحسوبين على شقيقه والذين ماطلوا في التنفيذ مستندين إلى دعم العميد رفعت وتعهّدت له بأنّ هذه العملية سوف تتم في جوٍّ ودّي ولن نريق قطرة دم واحدة,, فقال لي: أشكُّ في أنهم يقبلون ونحن في ذروة الأزمة، فقلت له إذا أعطيتني الضوء الأخضر فغداً تراهم وقد أصبح كلّ منهم في مكانه الجديد, فقال: إذا كنت قد عزمت فتوكّل على الله, وطلبت من مدير مكتبي أن يبلغ الضباط المنقولين وعددهم أربعة عشر بأن يتواجدوا في مكتبي غداً الساعة السادسة صباحاً, وتمّ إبلاغ الضباط جميعاً وكان جوابهم لماذا في هذا الوقت المبكر ونحن نعلم أنّ العماد طلاس يبدأ دوامه الساعة العاشرة صباحاً وينتهي الساعة العاشرة مساءً فلماذا نحضر قبل الدوام الرسمي بساعة ونصف؟ وكان جواب مدير المكتب: الأمر واضح ولا لبس به وأنتم مطلوبون غداً الساعة السادسة صباحاً.في صباح اليوم التالي حضر الضباط المعنيون إلى مكتبي متأخرين ساعة ونصفاً عن الموعد ولمّا سألتهم عن السبب؟ أجاب كبيرهم: هل تريد أن نقول لك الحقيقة؟، قلت: نعم، قال: كنّا عند أبي دريد (يعني رفعت الأسد)، قلت لهم: اذاً لم يكن الرئيس الأسد مخطئاً عندما نقلكم من أماكنكم وها أنتم الآن تعترفون دونما أي ضغط أو إكراه أنّكم كنتم لدى قائد سرايا الدفاع, المهم نحن الآن أولاد اليوم وعفا الله عمّا مضى, ولكن قبل أن أُعطيكم توجيهات القائد العام أودُّ أن أطرح عليكم السؤال التالي: مَنْ منكم تقدّم إليَّ بطلب شخصي أو عام ولم ألبِّ طلبه, فسكت الجميع ولم يحر أيّ منهم جواباً قلت لهم: إذاً لماذا تلعبون بذيولكم وتضعون ثقتكم وولاءكم لغير قائدكم, (فسكتوا أيضاً) وتابعت, الآن أمرني القائد العام أنْ أنفّذ أوامره بنقلكم إلى وظائفكم الجديدة, من ينفذ الأمر سوف يُعفى من أيّ عقوبة أو مساءلة مسلكية (عدم تنفيذ أمر القائد العام يعتبر في حالة الحرب جناية يعاقب مرتكبها بالسجن سبع سنوات كحدٍّ أدنى) أمّا في حال إصراركم على غيّكم فأنا كلفت نوّابكم في التشكيلات والوحدات أن يعتقلوكم ويرسلوكم مباشرة إلى السجن المركزي، وفي حال المقاومة والعصيان العسكري فانّ لدى نوّابكم الأمر منّي شخصيّاً بإطلاق النار عليكم وأنتم تعرفون أنّنا لن نحاسبهم على النتائج مهما كانت لأنّهم ينفّذون الأوامر والتعليمات وأنتم الخارجون على القانون, أما في ما يتعلّق بأمور التسلم والتسليم فاعتبروا أنّ لديكم براءة ذمّة مصدّقة من وزير الدفاع وسوف تصلكم بالبريد، أما بالنسبة لحاجاتكم الشخصية فيمكنكم أن ترسلوا السائق لجلبها من مكاتبكم وحذار من الالتفاف على الأوامر، وإذا مكرتم فانّ مكرنا أشد وإذا تطاولتم على القائد العام فانّ يدي ستطول هذه المرة رقابكم, وضربت بقبضتي على الطاولة (وكانت الغاية من ذلك إدخال الرهبة في نفوسهم) وكان صوتي المرتفع والجدّي يدلُّ على مدى الحسمية وعدم التساهل أبداً في الموضوع. فأذعن الجميع للتعليمات وأدّوا التّحية العسكرية وتوجّهوا إلى أماكن وظائفهم الجديدة ولم يحاول أي منهم المناورة كما لم يعد أي منهم إلى الاتصال بالعميد رفعت أبداً, وأعلمت الرئيس الأسد بنجاح المهمة وكان مرتاحاً للغاية وقلت له: ليس الجيش والشعب معك في هذه الأزمة وإنّما العناية الإلهية كذلك، ورويت له قصّة الشيخ أحمد عبد الجواد الذي جاء من المدينة المنورة لنجدة الرئيس الأسد، وحتى يكون القارئ معنا سأروي له الحكاية كما حدثت.

خطّة العميد رفعت للسيطرة على دمشق

كان العميد رفعت الأسد يستغل فترات ضغط الإخوان المسلمين على مرافق الدولة المختلفة ويطلب في ذروة الأزمة ضباطاً ومجندين إلى الوحدة، وكانت إدارة شؤون الضباط تستجيب له وكذلك شعبة التنظيم والإدارة الأمر الذي رفع تعداد الوحدة من ستة عشر ألفاً إلى أربعين ألفاً من مختلف الرتب, وقد ساعده في ذلك أن التطوّع كان مفتوحاً لديه ولهذا فانَّ كل مجند يأتي إلى الوحدة يكون زيادة على الملاك, وحتى تستوعب سرايا الدفاع، التي هي في الأساس (فرقة مدرعة) + لواء مشاة جبلي + ثلاثة أفواج إنزال + كتيبة (مغاوير خاصة + كتيبة دبابات مستقلة، هذه الأعداد الكبيرة من الجنود، شكّل العميد رفعت بصورة غير نظامية أربعة ألوية مشاة أطلق عليها «الألوية المحيطة» وأعطاها أرقاماً من عنده وكلّف كل لواء منها بمهمة السيطرة على المحاور المؤدّية إلى دمشق وفقاً لما يلي.اللواء الأول: محور حمص ـ دمشق.اللواء الثاني: محور بيروت ـ دمشق.اللواء الثالث: محور القنيطرة ـ دمشق.اللواء الرابع: محور درعا والسويداء ـ دمشق.

كانت الفكرة الرئيسية للسيطرة على دمشق تقضي بإغلاق المحاور الأساسية في وجه الوحدات والتشكيلات الضاربة المتمركزة خارج دمشق والتي ولاءها معقود للقائد حافظ الأسد، وفي اللحظة نفسها تتحرّك ثلاث مفارز قوامها سرية دبابات + سرية مشاة ميكانيكية + فصيلة هندسة عسكرية بمهمة السيطرة على منـزل رئيس الجمهورية من قبل المفرزة الأولى، بينما تقوم المفرزة الثانية بالسيطرة على مقر القيادة العامة، والمفرزة الثالثة تقوم باحتلال مقر الإذاعة والتلفزيون وتعلن مباشرةً على العالم نبأ استلام «رفعت الأسد» مقاليد السلطة في البلاد, ولإشعار سكان العاصمة دمشق بأنّ القبضة التي استلمت الحكم هي قبضة فولاذية، تقوم كتائب المدفعية (ب م ـ 21) بقصف دمشق عشوائياً لإرهاب السكان وقطع أنفاس الناس حتى يصبح أهل الشام مثل أهل بغداد أيام «الحجّاج» سابقاً وأيام «صدّام» لاحقاً.بعد ذلك تقوم مفارز المشاة من سرايا الدفاع بعملية نهب وسلب للمدينة المنكوبة وقد أبلغ العميد رفعت ضبّاطه وجنوده أنّ المدينة ستكون لهم حلالاً زلالاً مدّة ثلاثة أيام بلياليها، وبعدها لا يجوز أبداً أن يظلّ فقير واحد في سرايا الدفاع, وإذا طلب أي جندي بعدها مساعدة أو إكرامية ستقطع يده, ولذلك على من يكتبوا تاريخ سورية الحديثة أن يقدّروا مدى وأهميّة الحكمة البالغة التي استخدمها الرئيس حافظ الأسد بنـزع فتيل الأزمة على نار هادئة.

 

حل رابطة خريجي الدراسات العليا

ما كاد العميد رفعت الأسد أن يحصل على الإجازة في التاريخ في العام 1974م حتى أسس (رابطة خريجي الدراسات العليا) وأخذ موافقة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية على ذلك لكي يكون عمله تحت المظلة القانونية, وأعطى تبريراً لعمله بأن مصلحة الرئيس الأسد أن يكون خريجو الدراسات العليا موالين للنظام على اعتبار أن شقيقه رفعت هو رأس الهرم في هذه الرابطة.. وانتشر الخبر بسرعة البرق ولم يبق انتهازي أو متسلق أو متطلع غلى السلطة أو التقرب من وهجها إلا وانخرط في هذه الرابطة (كخرط الدب على العنب).وتم توزيع السيارات والهدايا غير الرمزية على كبار المريدين والمسبحين بحمد رئيس الرابطة وفضله, وجاء توجيه خاص وسري من الفاتيكان إلى الإخوة أبناء الطائفة المسيحية بأن ينتسبوا إلى الرابطة زرافات ووحداناً وتم اختيار السيد غسان شلهوب نائباً لرئيس الرابطة ليعطي ضوءاً أخضر لمن لم يسمع التوجيه أن يقترب من الرابطة وينتسب إلى صفوفها.. وجاءت أحداث الإخوان المسلمين في نهاية السبعينيات وأوائل الثمانينيات لتعطي الدليل القاطع أن الرابطة لا وجود لها وأن هذا العدد الضخم كان كغثاء السيل أو حزمة من القش لا تغني عن الحق شيئاً.وعندما حدثت الأزمة ظن أعضاء الرابطة بأن الوقت قد حان لقطف ثمار جهودهم فبدءوا يهاجمون جهراً الرئيس حافظ الأسد في مجالسهم الخاصة ويتهمونه بالديكتاتورية, وأن العميد رفعت راعي الديمقراطية في هذا البلد وعقدوا مؤتمراً لهم في فندق (الشيراتون) حضره ما هب ودب (من الجنادب والخنافس والقرّاد). ولم تسعف القريحة العميد رفعت فبدأ حديثاً سياسياً مشوشاً عن الديمقراطية والأوضاع العامة في سورية بحيث لا يمكن لأحد أن يفهم منه شيئاً حتى ولو حاول ذلك وبذل قصارى جهده, وانفض المؤتمرون وهم في حيص بيص وأدركوا أن أيام الرابطة غدت قريبة وأن أحلامهم ذهبت أدراج الرياح لأن ما بني على باطل فهو باطل.ورغم إدراكي المسبق أن الرابطة أصبحت في حكم المنتهية فقد اتصلت بعدد من الأصدقاء المتورطين بالانتساب إلى الرابطة وطلبت إليهم الانسحاب وبذلك قد أسهمت في تهديمها من الداخل والخارج.

كما تم الاتفاق أن يسافر معه إلى موسكو اثنان من الضباط الأمراء طلبهما العميد رفعت شخصياً وهما اللواء شفيق فياض واللواء علي حيدر كما سافر معهم اللواء الخولي وكان ذلك بطلب خاص من العميد رفعت حتى يطمئن أن الطائرة لن تنفجر بعد إقلاعها بالجو، وصدر أمر الإيفاد بتاريخ 28/5/1984م وسافر العماد ناجي جميل مع حاشية العميد رفعت، وما حزّ في نفسي كثيراً أن العماد ناجي هو الذي طلب أن يسافر العميد رفعت، ومع أن الفارق كبير بين رتبة العماد ورتبة العميد، فإن العماد ناجي كان يخاطب العميد رفعت دائماً بكلمة (سيدي) أقول هذا الكلام والغصّة في حلقي لأن للعسكرية هيبة لا يجوز خدشها ولا يجوز مسّها وإلا تصبح العسكرية ضرباً من الانكشارية.وظل الرفاق قرابة شهر في موسكو، وكان العميد رفعت ومجموعته قد ودّعوا موسكو بعد سلسلة من المقابلات البروتوكولية الشكلية مع المسؤولين السوفييت، وبهذه المناسبة لابد من شهادة حق للتاريخ فقد كان موقف أصدقائنا في موسكو مع الرئيس الأسد قولاً واحداً وكلّفوا رسمياً مستشار قائد الوحدة (569) (سرايا الدفاع) بأن ينقل إليّ عن طريق كبير المستشارين الجنرال "غوردينكو" الحالة النفسية للعميد رفعت وضباطه، وكنت أنقل هذه المعلومات لسيادة الرئيس كما كنت أضع الرفاق في القيادة العامة بالصورة وكانت هذه المعلومات مفيدة للغاية بالنسبة لنا لأنه أمر أساسي لتقدير الموقف أن تعرف حالة الخصم النفسية..وضاق اللواء شفيق واللواء علي حيدر ذرعاً بالإقامة في موسكو وخشيا أن زحمة أعمال الرئيس الأسد قد تؤخّر صدور الأمر الخاص بعودتهم إلى أرض الوطن، وأرسل إليّ اللواء شفيق رسالة مؤثّرة واتصلت هاتفياً بهم إلى موسكو وطمأنتهم بأن الرئيس لن ينسى أبداً أبناءه، وعندما أعلمت الرئيس بالموضوع استغرب وقال لي: هل أمضيا شهراً في موسكو؟.. وعندما أجبته: نعم.. قال: أصدر نيابة عني الأوامر بعودتهم إلى أرض الوطن.وهكذا عاد أبو علاء وأبو ياسر من بلاد الغربة، مع أن الإقامة في موسكو ذلك الحين كانت تعتبر مثل الإقامة في باريس باستثناء أن الإقامة في موسكو كانت تكلف أقل بخمس مرات، ولكن شعور المرء أنه يعيش الغربة وأنه ليس ذاهباً بإجازة أو نزهة تجعل الحياة صعبة لا تطاق.وهكذا أسقط الأسد جميع الرهانات المعادية المحلية والعربية والأجنبية التي كانت ترى بوصول العميد رفعت الأسد إلى السلطة هو انضواء سورية تحت المظلة الأمريكية ونهاية لوقفة العز والشموخ التي اتّسمت بها المسيرة التي قادها أمين هذه الأمة.


المراجع

odabasham.net

التصانيف

سيرة ذاتية  أدب  تراجم  شعراء   العلوم الاجتماعية