ذكر مخارق وأخباره نسبه
هو مخارق بن يحيى بن ناووس الجزار مولى الرشيد بل ناووس لقب أبيه يحيى ويكنى أبا المهنأ كناه الرشيد بذلك.
وكان قبله لعاتكة بنت شهدة وهي من المغنيات المحسنات المتقدمات في الضرب ذكر ذلك مخارقٌ واعترف به. ونشأ بالمدينة وقيل: بل كان منشؤه بالكوفة.
بان طيب صوته فعلمته مولاته الغناء
وكان أبوه جزاراً مملوكاً وكان مخارق وهو صبي ينادي على ما يبيعه أبوه من اللحم فلما بان طيب صوته علمته مولاته من الغناء ثم أرادت بيعه فاشتراه إبراهيم الموصلي منها وأهداه للفضل بن يحيى فأخذه الرشيد منه ثم أعتقه.
اشتراه إبراهيم الموصلي ثم وهبه الفضل
ابن يحيى ثم صار إلى الرشيد
أخبرني الحسين بن يحيى قال: قال حماد: حدثني زكريا مولاهم وأخبرني محمد بن يحيى الصولي قال: حدثني عبيد الله بن محمد بن عبد الملك قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن زكريا مولاهم قال: قدمت مولاة مخارق به من الكوفة فنزلت المخرم وصار إبراهيم إلى جدي الأصبغ بن سنان المقين وسيرين بن طرخان النخاس فقالا له: إن ها هنا امرأةً من أهل الكوفة قد قدمت ومعها غلام يتغنى فأحب أن تنفعها فيه قال: فوجهني مع مولاته لأحمله فوجدته متمرغاً في رمل الجزيرة التي بإزاء المخرم وهو يلعب فحملته خلفي وأتيت به إبراهيم فتغنى بين يديه فقال لها: كم أمللك فيه قالت: عشرة آلاف درهم قال: قد أخذته بها وهو خيرٌ منها. فقالت: والله ما تطيب نفسي أن أمتنع من عشرين ألف درهم بكبدٍ رطبة فهل لك في خصلة تعطيني به ثلاثين ألف درهم ولا أستقيلك بعدها فقال: قد فعلت وهو خير منها فصفقت على يده وبايعته وأمر بالمال فأحضر وأمر بثلاثة آلاف درهم فزيدت عليه وقال: تكون هذه لهدية تهدينها أو كسوة تكتسينها ولا تثلمين المال.
وراح إلى الفضل بن يحيى فقال له: ما خبر غلامٍ بلغني أنك اشتريت قال: هو ما بلغك قال: فأرنيه فأحضره فلما تغنى بين يدي الفضل قال له: ما أرى فيه الذي رأيت قال: أنت تريد أن يكون في الغناء مثلي في ساعة واحدة ولم يكن مثله في الدنيا ولا يكون أبداً. فقال: بكم تبيعه فقال: اشتريته بثلاثة وثلاثين ألف درهم وهو حر لوجه الله تعالى إن بعته إلا بثلاثة وثلاثين ألف دينار فغضب الفضل وقال: إنما أردت أن تمنعنيه أو تجعله سبباً لأن تأخذ مني ثلاثةً وثلاثين ألف دينار فقال له: أنا أصنع بك خصلة أبيعك نصفه بنصف هذا المال وأكون شريكك في نصفه وأعلمه فإن أعجبك إذا علمته أتممت لي باقي المال. وإلا بعته بعد ذلك وكان الربح بيني وبينك. فقال له الفضل: إنما أردت أن تأخذ مني المال الذي قدمت ذكره فلما لم تقدر على ذلك أردت أن تأخذ نصفه.
وغضب فقال له إبراهيم: فأنا أهبه لك على أنه يساوي ثلاثةً وثلاثين آلف دينار قال: قد قبلته قال: قد وهبته لك وغدا إبراهيم على الرشيد فقال له: يا إبراهيم ما غلامٌ بلغني أنك وهبته للفضل قال: فقلت: غلام يا أمير المؤمنين لم تملك العرب ولا العجم مثله ولا يكون مثله أبداً قال: فوجه إلى الفضل فأمره بإحضاره فوجه به إليه فتغنى بين يديه فقال لي: كم يساوي قال: قلت: يساوي خراج مصر وضياعها.
فقال لي: ويلك أتدري ما تقول! مبلغ هذا المال كذا وكذا فقلت: وما مقدار هذا المال في شيء لم يملك أحدٌ مثله قط! قال: فالتفت إلى مسرور الكبير وقال: قد عرفت يميني ألا أسأل أحداً من البرامكة شيئاً بعد فنفنة فقال مسرور فأنا أمضي إلى الفضل فأستوهبه منه فإذا وهبه لي وكان عبدي فهو عبدك فقال له: شأنك. فمضى مسرور إلى الفضل فقال له: قد عرفتم ما وقعتم فيه من أمر فنفنة وإن منعتموه هذا الغلام قامت القيامة واستوهبه منه فوهبه له فبلغ ما رأيت. فكان علوية إذا غضب على مخارق يقول له - حيث يقول: أنا مولى أمير المؤمنين - متى كنت كذلك إنما أنت عبد الفضل بن يحيى أو مولى مسرور.
سبب تلقيب أبيه بناووس
أخبرني ابن أبي الأزهر قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان مخارق بن ناووس الجزار وإنما لقب بناووس لأنه بايع رجلاً أنه يمضي إلى ناووس الكوفة فيطبخ فيه قدراً بالليل حتى تنضج فطرح رهنه بذلك فدس الرجل الذي راهنه رجلاً فألقى في نفسه في الناووس بين الموتى فلما فرغ من الطبيخ مد الرجل يده من بين الموتى وقال له: أطعمني فغرف ملء المغرفة من المرقة فصبها في يد الرجل فأحرقها وضربها بالمغرفة وقال له:
اصبر حتى نطعم الأحياء أولاً ثم نتفرغ للموتى فلقب بناووس لذلك فنشأ ابنه مخارق وكان ينادي عليه إذا باع الجزور فخرج له صوتٌ عجيب فاشتراه أبي وأهداه للرشيد فأمره بتعليمهغنى لرشيد بعد ابن جامع ففاقه
وكان يقف بين يدي الرشيد مع الغلمان لا يجلس ويغني وهو واقف فغنى ابن جامع ذات يوم بين يدي الرشيد:
كأن نيراننا في جنب قلعتهم مصبغاتٌ على أرسان قصـار
هوت هرقلة لما أن رأت عجباً حوائماً ترتمي بالنفط والنار
فطرب الرشيد واستعاده عدة مرات وهو شعر مدح به الرشيد في فتح هرقلة وأقبل يومئذ على ابن جامع دون غيره فغمز مخارقٌ إبراهيم بعينه وتقدمه إلى الخلاء فلما جاءه قال له: ما لي أراك منكسراً قال: أما ترى إقبال أمير المؤمنين على ابن جامع بسبب هذا الصوت
فقال: قد والله أخذته فقال له: ويحك إنه الرشيد وابن جامع من تعلم ولا يمكن معارضته إلا بما يزيد على غنائه وإلا فهو الموت وقال: دعني وخلاك ذم وعرفه أني أغني به فإن أحسنت فإليك ينسب وإن أسأت فإلي يعود. فقال للرشيد: يا أمير المؤمنين أراك متعجباً من هذا الصوت بغير ما يستحقه وأكثر مما يستوجبه فقال: لقد أحسن ابن جامع ما شاء قال: أو لابن جامع هو
قال: نعم كذا ذكر قال له: فإن عبدك مخارقاً يغنيه فنظر إلى مخارق فقال: نعم يا أمير المؤمنينفقال: هاته فغناه وتحفظ فيه فأتى بالعجائب فطرب الرشيد حتى كاد يطير فرحاً وشرب ثم أقبل على ابن جامع
فقال له: ويلك ما هذا! فابتدأ يحلف له بالطلاق وكل محرجةٍ أنه لم يسمع ذلك الصوت قط إلا منه ولا صنعه غيره وأنها حيلةٌ جرت عليه فأقبل على إبراهيم وقال: أصدقني بحياتي فصدقه عن قصة مخارق فقال له: أكذلك هو يا مخارق قال: نعم يا مولاي فقال: اجلس إذن مع أصحابك فقد تجاوزت مرتبة من يقوم وأعتقه ووصله بثلاثة آلاف دينار وأقطعه ضيعةً ومنزلاً.
كان سبب عتقه لحناً غناه أمام الرشيد
أخبرني محمد بن خلف وكيع وحدثني محمد بن خلف بن المرزبان قال وكيع: حدثني هارون بن مخارق وقال ابن المرزبان: ذكر هارون بن مخارق قال: كان أبي إذا غنى هذا الصوت:
يا ربع سلمى لقد هيجت لي طرباً زدت الفؤاد على علاته وصبا
ربعٌ تبدل ممن كان يسكنه عفر الظباء وظلماناً بـه عـصـبـا
يبكي ويقول: أنا مولى هذا الصوت فقلت له: وكيف ذاك يا أبت فقال: غنيته مولاي الرشيد فبكى وشرب عليه رطلاً ثم قال: أحسنت يا مخارق فسلني حاجتك فقلت: أن تعتقني يا أمير المؤمنين أعتقك الله من النار فقال: أنت حرٌ لوجه الله فأعد الصوت فأعدته فبكى وقال: سل حاجتك فقلت: يا أمير المؤمنين تأمر لي بمنزل وفرش وخادم قال: ذلك لك أعد الصوت فأعدته فبكى وقال: سل حاجتك فقبلت الأرض بين يديه وقلت: حاجتي أن يطيل الله بقاءك ويديم عزك ويجعلني من كل سوءٍ فداءك فأنا مولى هذا الصوت بعد مولاي.
المأمون يسأل إسحاق عنه وعن ابن المهدي
وذكر محمد بن الحسن الكاتب أن أبان بن سعيد حدثه: أن المأمون سأل إسحاق عن إبراهيم بن المهدي وخارق فقال: يا أمير المؤمنين إذا تغنى إبراهيم بن المهدي بعلمه فضل مخارقاً وإذا تغنى مخارق بطبعه وفضل صوته فضل إبراهيم فقال له: صدقت.
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثنا المبرد بهذا الخبر فقال: حدثني بعض حاشية السلطان: أن إبراهيم الموصلي غنى الرشيد يوماً هذا الصوت فأعجب به وطرب له واستعاده مراراً فقال له: فكيف و سمعته من عبدك مخارق فإنه أخذه عني وهو يفضل فيه الخلق جميعاً ويفضلني فدعا بمخارق فأمره أن يغنيه وذكر باقي الخبر مثل الذي تقدم.
كناه الرشيد أبا المهنأ لإحسانه في الغناء
أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن أبي الدنيا عن إسحاق بن محمد النخعي عن الحسين بن الضحاك عن مخارق: أن الرشيد قال يوماً للمغنين وهو مصطبح من منكم يغني: يا ربع سلمى لقد هيجت لي طرباً فقمت فقلت: أنا يا أمير المؤمنين فقال: هاته فغنيته فطرب وشرب ثم قال: علي بهرثمة بن أعين فقلت في نفسي: ما يريد منه فجاءوا بهرثمة فأدخل إليه وهو يجر سيفه فقال له: يا هرثمة مخارق الشاري الذي قتلناه بناحية الموصل ما كانت كنيته فقال: أبو المهنأ فقال: انصرف فانصرف ثم أقبل علي وقال: قد كنيتك أبا المهنأ لإحسانك وأمر لي بمائة ألف درهم فانصرفت بها وبالكنية.
الواثق يعذر غلمانه تركوا قصره لسماعه
أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثني علي بن محمد بن نصر البسامي قال: حدثني خالي أبو عبد الله بن حمدون قال: رحنا إلى الواثق وأمه عليلة فلما صلى المغرب دخل إلى أمه وأمر بألا نبرح وكان في الصحن حصرٌ غير مفروشة. فقال لي مخارق: امض بنا حتى نفرش حصيراً من هذه الحصر فنجلس على بعضه ونتكىء على المدرج منه وكانت ليلةً مقمرةً فمضينا ففرشنا بعض تلك الحصر واستلقينا وتحدثنا وأبطأ الواثق عند أمه فاندفع مخارق فغنى:
أيا بيت ليلى إن ليلى عربيةٌ براذان لا خالٌ لديها ولا ابن عم
فاجتمع علينا الغلمان وخرج الواثق فصاح: يا غلام فلم يجبه أحدٌ ومشى من المجلس إلى أن توسط الدار فلما رأيته بادرت إليه فقال لي: ويلك هل حدث في داري شيء فقلت: لا يا سيدي فقال: فما لي أصيح فلا أجاب! فقلت: مخارق يغني والغلمان قد اجتمعوا عليه فليس فيهم فضلٌ لسماع غير ما يسمعونه منه فقال: عذرٌ والله لهم يابن حمدون وأي عذر! ثم جلس وجلسنا بين يديه إلى السحر.
الموصلي يعرف جودة طبعه فيخصه بالتعليم
وذكر هارون بن محمد بن عبد الملك أن مخارقاً كان ينادي على اللحم الذي يبيعه أبوه فيسمع له صوتٌ عجيب فاشترته عاتكة بنت شهدة وعلمته شيئاً من الغناء ليس بالكثير ثم باعته من آل الزبير فأخذه منهم الرشيد وسلمه إلى إبراهيم الموصلي فأخذ عنه وكان إبراهيم يقدمه ويؤثره ويخصه بالتعليم لما تبينه منه ومن جودة طبعه.
كان عبداً لعاتكة بنت شهدة الحاذقة بالغناء
أخبرني علي بن عبد العزيز الكاتب قال: حدثني ابن خرداذبه قال: كان مخارق بن يحيى بن ناووس الجزار وكان عبداً لعاتكة بنت شهدة وكانت عاتكة أحذق الناس بالغناء وكان ابن جامع يلوذ منها بالترجيع الكثير فتقول له: أين يذهب بك هلم إلى معظم الغناء ودعني من جنونك قال: فحدثني من حضرهما أن عاتكة أفرطت يوماً في الرد على ابن جامع بحضرة الرشيد فقال لها: أي أم العباس أنا - يشهد الله - أحب أن تحتك شعرتي بشعرتك فقالت له: اسكت قطع الله لسانك ولم تعاود بعد ذلك أذيته قال: وكانت شهدة أم عاتكة نائحة. هكذا ذكر ابن خرداذبه وليس الأمر في ذلك كما ذكره.
ابن داود يغني بلحن لشهدة فيفوق المغنين
حدثني محمد بن يحيى الصولي قال: حدثنا الغلابي قال: حدثني علي بن محمد النوفلي عن عبد الله بن العباس الربيعي أنه كان هو وابن جامع وإبراهيم الموصلي وإسماعيل بن علي عند الرشيد ومعهم محمد بن داود بن علي فغنى المغنون جميعاً ثم اندفع محمد بن داود فغناه: صوت
أم الوليد سلمتني حلمي وقتلتني فتحللي إثـمـي
بالله يا أم الوليد أما تخشين في عواقب الظلـم!
وتركتني أبغي الطبيب وما لطبيبنا بالداء من علم
قال: فاستحسنه الرشيد وكل من حضر وطربوا له فسأله الرشيد: عمن أخذته فقال: أخذته عن شهدة جارية الوليد بن يزيد قال عبد الله بن العباس وهي أم عاتكة بنت شهدة.
الأبيات المذكورة التي فيها الغناء لعبيد الله بن قيس الرقيات وتمامها:
لله درك في ابن عمك قد زودته سقماً على سقم
في وجهها ماء الشباب ولم تقبل بمكروهٍ ولا جهم
والغناء فيه لابن محرز لحنان كلاهما له أحدهما ثقيل الأول بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق والآخر خفيف ثقيل الأول بالبنصر عن عمرو بن بانة وفيه لمالك ثاني ثقيل عنالواثق يوزان بين جماعة من المغنين
ويذكر أثر غناء مخارق
وقال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال أبي: قال الواثق أمير المؤمنين: خطأ مخارق كصواب علوية وخطأ إسحاق كصواب مخارق وما غناني مخارق قط إلا قدرت أنه من قلبي خلق ولا غناني إسحاق إلا ظننت أنه قد زيد في ملكي ملكٌ آخر.
قال: وكان يقول: أتريدون أن تنظروا فضل مخارق على جميع أصحابه: انظروا إلى هؤلاء الغلمان الذين يقفون في السماط. فكانوا يتفقدونهم وهم وقوف فكلهم يسمع الغناء من المغنين جميعاً وهو واقف مكانه ضابط لنفسه فإذا تغنى مخارق خرجوا عن صورهم فتحركت أرجلهم ومناكبهم وبانت أسباب الطرب فيهم وازدحموا على الحبل الذي يقفون من ورائه.
يستوقف الناس بحسن صوته في الأذان
قال هارون: وحدثت أنه خرج مرة إلى باب الكناسة بمدينة السلام والناس يرتحلون للخروج إلى مكة فنظر غليهم واجتماعهم وازدحامهم فقال لأصحابه الذين خرجوا معه: قد جاء في الخبر أن ابن سريج كان يتغنى في أيام الحج والناس بمنى فيستوقفهم بغنائه وسأستوقف لكم هؤلاء الناس وأستلهيهم جميعاً لتعلموا أنه لم يكن ليفضلني إلا بصنعته دون صوته ثم اندفع يؤذن فاستوقف أولئك الخلق واستلهاهم حتى جعلت المحامل يغشى بعضها بعضاً وهو كالأعمى عنها لما خامر قلبه من الطرب لحسن ما يسمع.
أبو العتاهية يعجب بغنائه إعجاباً شديداً
أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال: حدثني ابن أخت الحاركي وأبو سعيد الرامهرمزي وأخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد الأزدي عن أحمد بن عيسى الجلودي عن محمد بن سعيد الترمذي - وكان إسحاق إذا ذكر محمداً وصفه بحسن الصوت ثم قال: قد أفلتنا منه فلو كان يغني لتقدمنا جميعاً بصوته - قالوا: جاء أبو العتاهية إلى باب مخارق فطرقه واستفتح فإذا مخارق قد خرج إليه فقال له أبو العتاهية: يا حسان هذا الإقليم يا حكيم أرض بابل اصبب في أذني شيئاً يفرح به قلبي وتنعم به نفسي فقال: انزلوا فنزلنا فغنانا قال محمد بن سعيد: فكدت أسعى على وجهي طرباً. قال: وجعل أبو العتاهية يبكي ثم قال له: يا دواء المجانين لقد رققت حتى كدت أحسوك فلو كان الغناء طعاماً لكان غناؤك أدماً ولو كان شراباً لكان ماء الحياة.
أبو العتاهية يشتهي سماعه عند موته
نسخت من كتاب ابن أبي الدنيا حدثني بعض خدم السلطان قال: قال رجل لأبي العتاهية وقد حضرته الوفاة: هل في نفسك شيءٌ تشتهيه قال: أن يحضر مخارق الساعة فيغنيني:
سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي ويحدث بعدي للخليل خليل
إذا ما انقضت عني من الدهر مدتي فإن غناء الباكيات قلـيل
سأل أبا العتاهية عن شعره
في تبخيل الناس
أخبرني عمي قال: حدثنا محمد بن علي بن حمزة العلوي قال: حدثنا علي بن الحسين بن الأعرابي قال: لقي مخارقٌ أبا العتاهية فقال له: يا أبا إسحاق أأنت القائل: قال له: نعم. قال: بخلت الناس جميعاً. قال: فاصرف بطرفك يا أبا المهنأ فانظر فإنك لن ترى إلا بخيلاً وإلا فأكذبني بجواد واحد فالتفت مخارقٌ يميناً وشمالاً ثم أقبل عليه فقال: صدقت يا أبا إسحاق فقال له أبو العتاهية: فديتك لو كنت مما يشرب لذررت على الماء وشربت.
غنى بين قبرين فترك الناس أعمالهم
والتفوا حوله
أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني بعض آل نوبخت قال: كان أبي وعبد الله بن أبي سهل وجماعةٌ من آل نوبخت وغيرهم وقوفاً بكتاسة الدواب في الجانب الغربي من بغداد يتحثون فإنهم لكذلك إذ أقبل مخارق على حمار أسود وعليه قميص رقيق ورداءٌ مسهم قال: فيمن كنتم فأخبروه فقال: دعوني من وسواسكم هذا أي شيء لي عليكم إن رميت بنفسي بين قبرين من هذه القبور وغطيت وجهي وغنيت صوتاً فلم يبق أحدٌ بهذه الكناسة ولا في الطريق من مشترٍ ولا بائعٍ ولا صادر ولا وارد إلا ترك عمله وقرب مني واتبع صوتي فقال له عبد الله: إني لأحب أن أرى هذا فقل ما شئت فقال: فرسك الأشقر الذي طلبته منك فمنعتنيه قال: هو لك إن فعلت ما قلت ثم دخلها ورمى بنفسه بين قبرين وتغطى بردائه ثم اندفع يغني فغنى في شعر أبي العتاهية:
نادت بوشك رحيلك الأيام أفلست تسمع أم بك استصمام!
قال: فرأيت الناس يتقوضون إلى المقبرة أرسالاً من بين راكب وراجل وصاحب شول وصاحب جدي ومار بالطريق حتى لم يبق بالطريق أحد ثم قال لنا من تحت ردائه: هل بقي أحد قلنا: لا وقد وجب الرهن فقام فركب حماره وعاد الناس إلى صنائعهم فقال لعبد الله: أحضر الفرس فقال: على أن تقيم اليوم عندي قال: نعم فانصرفنا معهما وسلم الفرس إليه وبره وأحسن إليه وأحسن رفده.
نسبة هذا الصوت صوت
نادت بوشك رحيلك الأيام أفلست تسمع أم بك استصمام!
ومض أمامك من رأيت وأنت لل باقين حتى يلحقوك إمام
ما لي أراك كأن عينك لاترى عبراً تمر كأنهن سـهـام
تمضي الخطوب وأنت منتبهٌ لها فإذا مضت فكأنها أحلام
الشعر لأبي العتاهية والغناء لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى وفيه لمخارق هزج بالوسطى كلاهما عن عمرو وفيه رمل يقال: إنه لعلوية ويقال: إنه لمخارق عن الهشامي.
بكى أبو العتاهية حين سمع لحنه
أخبرني جحظة قال: ذكر ابن المكي المرتجل عن أبيه: أن أبا العتاهية دخل يوماً إلى صديق له وعنده جارية تغني فقال: يا أبا إسحاق إن هذه الجارية تغني صوتاً حسناً في شعر لك أفتنشط إلى سماعه قال: هاتيه فغنته لحناً لعمرو بن بانة في قوله: نادت بوشك رحيلك الأيام فعبس وبسر وقال: لا جزى الله خيراً من صنع هذه الصنعة في شعري قال: فإنها تغني فيه لحناً لمخارق قال: فلتغنه فغنته فأعجبه وطرب حتى بكى ثم قال: جزا الله هذا عني خيراً وقام فانصرف. وقد روى هذا الخبر هارون بن الزيات عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن غزوان: أنه كان وعبيد الله بن أبي غسان وأبو العتاهية ومحمد بن عمر الرومي عند ابن مريم ومعهم مغنية نادت بوشك رحيلك الأيام فلم يستحسنه أبو العتاهية ثم غنى فيه لحناً لإبراهيم بن المهدي فأطربه وقال: جزى الله عني هذا خيراً.
المراجع
al-hakawati.net
التصانيف
فنون العلوم الاجتماعية